كنت واقفه

لمحة نيوز

كنت واقفة في المطبخ بجهز عشا بسيط، وعيوني على شهادات نجاح أولادي.. مازن ومريم. الاتنين طالعين من الأوائل، وكان حلمهم وحلمي ندخلهم المدرسة اللغات اللي جنبنا بعد ما مجموعهم أهلهم ليها، وكنت شايلة قرشين على جنب من شغلي وتعب الخياطة عشان اليوم ده.
دخل محمود جوزي، ووشه مش مبشر بالخير. وراه علام، ابن أخوه الله يرحمه. علام في نفس سن مازن، بس مستواه الدراسي على قده.
محمود قعد ومسك إيدي وقال لي بنبرة رجاء يا وفاء، إنتي عارفة إن علام ملوش حد بعد أخويا، والولد نفسه يدخل المدرسة الخاصة اللي قدمتي فيها لمازن ومريم.. وأنا الصراحة سحبت الفلوس اللي في البنك وقدمتله فيها!
الدنيا لفت بيا.. سحبت الفلوس؟ الفلوس دي شقايا وتعبي وتحويشة العمر لعيالنا!
وقفت مصدومة يعني إيه؟ وفلوس مدرسة عيالك؟ دي فلوس تقديمهم هما!
رد عليا ببرود وهو بيبص في الأرض عشان يداري كسفته عيالك شاطرين وهيطلعوا الأوائل في أي مدرسة حكومة.. إنما ابن أخويا يتيم، ولازم نقف جنبه عشان يرفع راسنا، مش قصة هي يا وفاء! بكره ربنا يفرجها وأعوض عيالنا.
في اللحظة دي، طلعت حماتي من أوضتها، وبصت لي ونطقت ببرود يا بنتي ده ثواب كبير، ومحمود بيعمل بأصل أهله.. والمسامح كريم، متقريش على الولد اليتيم.
الكسرة الحقيقية مش في الفلوس، الكسرة كانت في عيون عيالي. لما شافوا علام لابس اليونيفورم الجديد الشيك، ومازن ومريم واقفين بهدومهم القديمة المستعملة، مستنيين أبوهم يراضيهم ولو بشنطة مدرسة جديدة.
دخل محمود البيت وهو شايل في إيده شنطة ماركة غالية جداً ومطارة مية حديثة، نادى على علام واداهالهم قدام عيالي وهو بيقول مبروك يا بطل.. ارفع راسي في المدرسة الجديدة، وعمك في ضهرك ورقبتي

سدادة لأخر يوم في عمري.
مازن ابني، بدموع محبوسة في عينه، قرب من أبوه وقال له بصوت يقطع القلب بابا.. طب وأنا ومريم؟ مجبتلناش شنط جديدة ليه؟ إحنا شاطرين وطلعنا الأوائل..
محمود بدل ما يطبطب عليه، زعق بقلة حيلة وعصبية عشان يداري ذنبه شنط إيه وزفت إيه؟ الشنط القديمة مالها؟ لسه سليمة! بطلوا طمع وبص للي في إيد غيركم.. أمكم شكلها مبوظة أخلاقكم ومعلماكم الغل!
في اللحظة دي، النار اللي كانت قايدة في صدري انطفت، وحل محلها برود غريب. بصيت لمحمود ولقيت نفسي باخد قرار عمري ما فكرت فيه.
لميت هدوم عيالي في نفس الليلة، وأخدت شهادات نجاحهم، والفلوس اللي كنت مخبياها من شغل خياطتي الخاص في دولابي.
بصيت له وقولت له بكل ثبات أنت اخترت لقب العم السند على حساب إنك تكون أب.. مبروك عليك اللقب، ومبروك على علام الفلوس.. بس عيالي مش هيعيشوا مكسورين في بيت أبوهم.
نزلت في نص الليل، وأنا مقررة إني مش هرجع غير وأنا واقفة على رجلي، وهثبت له إن عيالي اللي استخسر فيهم الفرحة، هيوصلوا لأعلى المراكز من غير مليم من فلوسه أول شهرين كانوا أقسى من أي حاجة وفاء عدّت بيها في حياتها.
أجّرت أوضة صغيرة فوق سطح بيت قديم، السقف بيخرّ مية، والحر بيخنق، لكن لأول مرة كانت حاسة إن الكرامة ليها طعم، حتى لو مُر.
كانت بتشتغل لحد الفجر على ماكينة الخياطة، وإيديها اتجرحت من الإبر، وعينيها بقت تحرقها من السهر. ومازن ومريم كانوا بيذاكروا جنبها تحت نور لمبة صفرا ضعيفة، وكل شوية يبصوا لأمهم بخوف.
وفي ليلة، مريم سألتها بصوت صغير هو بابا زعلان مننا عشان إحنا طلبنا شنط جديدة؟
السؤال نزل على قلب وفاء كسكينة.
حضنت بنتها بسرعة وقالت وهي بتقاوم دموعها لا يا حبيبتي
بابا بس تايه شوية.
لكن الحقيقة إن محمود ماكنش تايه كان بيهرب من إحساسه بالذنب.
في الناحية التانية، محمود كان عايش دور العم الجدع قدام الناس. كل قعدة يحكي بفخر أنا اللي متكفل بابن أخويا وربنا يعلم بعمل إيه عشانه.
والناس تسقفله جدع أصيل راجل ابن أصول.
الكلام كان بيخدر ضميره.
لكن أول صفعة حقيقية جت بعد شهر.
مدرسة علام الجديدة بعتت استدعاء ولي أمر. الولد متأخر دراسيًا جدًا، وداخل في خناقات كل يوم، ومش قادر يواكب المستوى.
رجع محمود متوتر، وحاول يكلم علام بهدوء يا ابني شد حيلك أنا صارف عليك دم قلبي.
لكن الرد صدمه.
علام رمى الشنطة على الأرض وقال بعصبية وأنا طلبت منك تدخلني المدرسة دي؟! أنا مش فاهم حاجة فيها! كلهم بيتريقوا عليا!
حماته دخلت تدافع عنه فورًا سيبه يا محمود، العيب على المدرسة!
لكن محمود لأول مرة حس بوخزة لما افتكر إن مازن ومريم عمرهم ما اشتكوا، ولا طلبوا حاجة زيادة.
وفي نفس الليلة، وهو بيدور على ورق قديم في الدولاب، لقى ظرف صغير واقع تحت هدومه.
فتحه بفضول
واتجمد مكانه.
كانت إيصالات تحويلات باسم وفاء ومكتوب تحت كل إيصال مصاريف مدرسة مازن ومريم.
التواريخ كانت قديمة يعني وفاء بقالها سنين بتحوش لوحدها.
قعد على السرير مذهول، وإيده بترتعش.
لأول مرة يفهم إن مراته ماكنتش بتحوش فلوس دي كانت بتحوش حلم.
وفي نفس اللحظة تقريبًا، كان مازن واقف في الأوضة الضيقة الجديدة، بيذاكر على الأرض، لما صاحب البيت خبط بعنف الإيجار يا مدام وفاء! اتأخر أسبوع!
ومازن لمح أمه وهي بتفك آخر غوايش دهب في إيدها.
هنا الولد مقدرش يستحمل.
خرج جري من البيت لأول مرة لوحده وراح عند أبوه.
فتح محمود الباب، واتصدم لما شاف ابنه واقف
قدامه هدومه متربة ووشه شاحب.
مازن بصله بعين مكسورة وقال ماما باعت دهبها عشان تعرف تدفع الإيجار مبسوط دلوقتي يا بابا؟
الكلمة خبطت محمود في قلبه.
لكن الصدمة الأكبر لما مازن طلع من شنطته ورقة مطوية، واداها لأبوه.
محمود فتحها
وكانت رسالة بخط مريم الصغير
أنا زعلانة منك يا بابا بس لسه بحبك.
ساعتها محمود انهار لأول مرة لكن كان متأخر؟
ولا لسه عنده فرصة ينقذ بيته قبل ما يخسره للأبد؟ محمود قعد على الأرض وهو ماسك الرسالة بإيده، كأنه مش قادر يصدق إن بنته الصغيرة كاتبة جملة بسيطة بالشكل ده لكن وزنها تقيل كده.
لسه بحبك
الكلمتين دول كانوا أقسى من أي زعيق أو عتاب.
بص لمازن وقال بصوت مبحوح مامتك فين دلوقتي؟
مازن رد وهو بيحاول يكتم دموعه بتكمل شغلها عشان نلحق الإيجار.
في اللحظة دي محمود قام بسرعة غير مفهومة، لبس وخطف مفاتيحه ونزل من غير ما يقول كلمة.
أول مرة يركب طريق البيت القديم اللي سابه بنفسه.
وصل السطح
شاف وفاء واقفة قدام الماكينة، إيديها بتترعش من التعب، ووشها فيه إرهاق سنين مش شهور.
وقف عند الباب لحظة لأول مرة يحس إنه صغير قدامها.
وفاء أول ما شافته، ما اتفاجئتش. بس كملت خياطة كأن وجوده مش فارق.
قال بصوت واطي وفاء ممكن نتكلم؟
ردت من غير ما تبصله اتأخرنا في الكلام يا محمود.
سكت ثانيتين، وبعدين قال أنا غلطت مش بس في الفلوس. أنا كسرت ولادي بإيدي.
وفاء وقفت الماكينة فجأة.
الصمت اللي حصل كان أعمق من أي كلام.
بعدين قالت أيوه كسرتهم بس اللي وجعني أكتر إنك كنت شايف إنك صح.
محمود قرب خطوة أنا راجع أصلح.
ضحكت ضحكة قصيرة فيها وجع تصلح إيه؟ شنط اتكسرت؟ ولا نظرة طفل شاف نفسه أقل من غيره؟
في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة
مازن
ومريم دخلوا.
وقفوا لما شافوا أبوهم.
مازن بصله، وبعدين بص لأمه
تم نسخ الرابط