بنتي عندها 11 سنه
بنتي عندها 11 سنة، وقفت امبارح بره البيت خمس ساعات كاملة تحت المطر علشان مفتاحها مبقاش بيفتح الباب.
والشخص اللي أمر يغيّر الكالون كان أمي.
أمي أنا.
كانت عايشة معانا بقالها 22 يوم بس من يوم ما دفنّا أبويا.
أنا اسمي إلهام.
بشتغل ممرضة في مستشفى كبير في القاهرة.
كنت في الشيفت، ولقيت 6 مكالمات فائتة من بنتي ملك.
دخلت أوضة الأدوية واتصلت بيها.
ماما المفتاح مش بيفتح الباب.
إزاي يا حبيبتي؟
المفتاح ده مش هو اللي كان بيفتح قبل كده أنا بردانة يا ماما.
قلتلها تخبط الجرس جامد.
وتنادي على جدتها.
وتفضل تحاول.
وقلتلها إني هخلص شغل خلال ساعة.
بعد ساعتين وصلتلي رسالة
ماما تيتة شافتني من الشباك ومفتحتش الباب تعالي.
ماقولتش لحد حاجة.
خدت شنطتي وقلت للمشرفة عندي ظرف طارئ ومشيت.
حتى مش فاكرة وصلت العربية إزاي.
كنت بسوق وسط المطر وأنا ماسكة الدركسيون بإيدي الاتنين.
وبفكر في أبويا اللي اتدفن من 3 أسابيع.
وفي جاكيت ملك اللي سابته على الكرسي الصبح.
وفي أمي اللي قالتلي قبل ما أنزل
يوم سعيد يا حبيبتي.
لما وصلت البيت
البيت الكبير اللي أبويا اشتراه قبل ما يتجوزها
لقيت ملك قاعدة على السلم.
هدومها مبلولة.
ضفايرها مفكوكة.
وشنطتها بتقطر مية.
نزلت من العربية من غير شمسية.
حضنتها.
كانت ساقعة زي التلج.
وشفايفها مزرقة.
قالتلي
آسفة يا ماما.
وكأنها هي اللي غلطت.
خبطت على الباب.
أمي فتحت.
لابسة روب حرير.
وفي إيديها كوباية
وبمنتهى البرود قالت
يا بنتي ما تعمليش فيلم. أنا وأختك نادية اتفقنا إنك إنتِ والبنت مش هتقعدوا هنا تاني.
وراها
على الكرسي اللي أبويا كان بيقعد يقرأ عليه الجرنان
أولاد أختي بيتفرجوا على الكرتون.
وتحت رجل أكبر واحد فيهم كانت البطانية اللي ملك عملتها بإيديها مع جدو الشتاء اللي فات.
مداس عليها.
بصيتلها وقلت
إنتِ غيرتي الكالون؟
قالت
كنا محتاجين خصوصية. نادية هتيجي تقعد هنا في الويك إند. دوري على شقة يا حبيبتي ما إنتِ بتشتغلي.
ما صرختش.
ما عيطتش.
بصيت في عينيها بس.
وقلت
تمام.
مسكت إيد ملك.
وركبنا العربية.
وشغلت الدفاية.
بس ما اتحركتش.
فضلت قاعدة ورا الدركسيون.
إيديا كانت متلجة.
وفجأة ملك قالت بصوت واطي
ماما تيتة مبقتش بتحبني؟
زحت شعرها المبلول من على وشها.
وقلت
تيتة يا حبيبتي عمرها ما عرفت تحب حد.
سقت لحد بيت صاحبتي أميرة.
أدتلنا الكنبة السرير.
وفوط.
وكوباية لبن سخنة.
ملك نامت وهي متعلقة في دراعي.
زي ما كانت بتعمل وهي عندها 3 سنين.
أما أنا
ما نمتش.
قعدت في المطبخ أستنى الشمس تطلع.
وأفتكر كل كلمة قالتها أمي.
الحقيقة إن أمي بقالها 32 سنة بتوريني حقيقتها.
لو وقعت كوباية كانت تزعقلي.
ولو أختي نادية ولعت المطبخ كانت تضحك وتقول
أصلها مبدعة.
أنا كنت دايمًا الدرامية.
ونادية كانت الملاك.
لما أبويا تعب السنة اللي فاتت
أمي هي اللي كلمتني.
وقالت وهي بتعيط
تعالي يا بنتي أنا مش قادرة.
وسبت بيتي.
وخدت ملك.
ورحت أقعد معاهم.
أنا اللي كنت بديه الدوا.
وأغيرله.
وأمسك إيده.
وأنا اللي كنت جنبه وهو بيموت الساعة 4 الفجر.
أما أمي؟
كانت قاعدة في الصالون بتشرب قهوة مع صحابها.
بعد الجنازة ب أيام بس
بدأت تغير العفش.
ودهنت أوضة أبويا أصفر.
ورمت كتبه الطبية.
وجابت سراير دورين لأولاد نادية.
وبعتتنا أنا وملك للأوضة الصغيرة اللي جنب السطح.
وقالت
عش جميل وصغير ليكم.
واستحملت.
وقلت يمكن حزن.
يمكن هتخف.
لحد ليلة نزلت أشرب مية.
ولقيتها بتكلم نادية في التليفون.
وقالت بصوت واطي
ما تقلقيش على المكان إلهام مش هتقعد كتير. هي أصلاً استحملت علشان أبوها.
وكان لسه معداش 3 أسابيع على وفاته.
تاني يوم بعد الشغل
رحت لمكتب الأستاذ حسام الشاذلي.
محامي أبويا من أكتر من 30 سنة.
واللي قالهولي يومها
ماقولتوش لحد.
لا لملك.
ولا لأميرة.
ولا حتى لأمي.
أبويا كان نقل البيت كله باسمي.
باسمي أنا وملك.
بعقد محكم ومحدش يقدر يطعن فيه.
أمي ما كانتش تملك فيه ولا طوبة.
خرجت من المكتب ومعايا ظرف أصفر.
وحطيته في درج العربية.
وما فتحتهوش.
كنت ناوية أدي أمي فرصة.
وأتكلم معاها بالعقل.
وده كان من 5 أيام.
امبارح
وإحنا واقفين تحت المطر قدام الباب المقفول
الظرف الأصفر كان لسه في درج العربية.
على بعد أمتار قليلة من البيت.
النهارده الصبح
وأنا قاعدة في مطبخ أميرة
مسكت التليفون واتصلت بالأستاذ حسام الساعة 7 بالظبط.
وحكيتله كل حاجة.
عن الكالون.
وعن الخمس ساعات في المطر.
وعن البطانية اللي اتداس عليها.
سكت حوالي 20 ثانية.
وبعدين قال بصوت مختلف تمامًا
تعالي المكتب فورًا وهاتي ملك معاكي وهاتي الظرف الأصفر.
استغربت.
وقلت
ليه يا أستاذ حسام؟
أخد نفس طويل
وقال الجملة اللي غيرت كل حاجة
مين عاوز التكمله؟لايك وصلو علي النبي وهرد عليكمأخد الأستاذ حسام نفسًا طويلًا، وكأنّه بيختار كلماته بعناية، ثم قال
تعالي فورًا يا إلهام... لأن اللي عملته والدتك مش مجرد تصرف قاسي... ده ممكن يعتبر جريمة.
اتجمدت إيدي على التليفون.
جريمة؟!
طفلة عندها 11 سنة اتسابِت خمس ساعات تحت المطر بعد ما تم تغيير الكالون عمدًا ومنعها من دخول منزلها. دي أول نقطة. أما النقطة التانية... فهي أخطر بكتير.
قلبي بدأ يدق بعنف.
في إيه تاني؟
سكت ثانية وقال
الظرف الأصفر اللي معاكي... فيه حاجة أبوكي كتبها بخط إيده قبل وفاته بأسبوع.
وقفت من مكاني.
أنا أصلًا ما كنتش فتحت الظرف.
ولا كنت أعرف إيه اللي جواه.
ركبت العربية أنا وملك، ووصلنا المكتب خلال أقل من نص ساعة.
الأستاذ حسام كان واقف مستنينا عند الباب.
أول ما شاف ملك، انحنى لمستواها وقال
عاملة إيه يا بطلة؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وستخبت ورايا.
دخلنا المكتب.
وقفل الباب.
وبصلي وقال
طلعي الظرف.
إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه.
طلع منه عقد الملكية...
ووصية...
وظرف أبيض صغير.
عليه بخط أبويا
لا يُفتح إلا إذا اضطرت إلهام لذلك.
دموعي نزلت قبل
كان خطه...
نفس الخط اللي كان بيكتب بيه ملاحظات على كتبي وأنا صغيرة.
فتحت الورقة.
وبدأت أقرأ
بنتي إلهام...
لو بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا حصل اللي كنت خايف منه.
أنا عارف أمك