دعيت إلي حفلة كي يتم إذلالها
كانت إلينا معروفة في دفعتها المدرسيّة بلقب «طالبة المنحة… ابنة الغسّالة». لم يكن اللقب مجرّد همس عابر، بل وصمة علنيّة تتردّد في الممرّات، وعلى درجات السلم، وفي حصص الاستراحة، وكأن المدرسة كلّها اتّفقت على تذكيرها يوميًا بمكانها “الطبيعي” كما كانوا يرونه. أمّها كانت تغسل ملابس الأغنياء في أحياء بعيدة، تعود كل مساء ويديها متشقّقتان من الماء والصابون، وتبتسم رغم التعب وهي تقول: “العلم هو الشيء الوحيد اللي محدّش يقدر يغسله منك.” إلينا كانت تفهم ذلك جيّدًا، لذلك درست بجنون، حفظت أكثر مما طُلب منها، وتعلّمت الصمت أكثر مما تعلّمت الكلام.
بيا، على الجانب الآخر، كانت ابنة عائلة ثريّة، جميلة، واثقة، معتادة أن تكون محور كل شيء. رأت في إلينا إهانة غير مفهومة: كيف لابنة غسّالة أن تتفوّق؟ كيف لطالبة منحة أن تجلس في الصف الأوّل؟ ومع الوقت، تحوّل الاستغراب إلى حقد منظّم، تقوده بيا وتنفّذه مجموعة كاملة من الفتيات اللواتي تعلّمن الضحك قبل التفكير. أربع سنوات كاملة من السخرية المقنّعة أحيانًا، والمباشرة أحيانًا أخرى، من تعليقات عن الملابس، عن الحذاء القديم، عن الغداء البسيط، عن “المستقبل
مرّت السنوات. تخرّج الجميع. افترقت الطرق. بعضهم تزوّج، بعضهم فشل، بعضهم عاش على أمجاد وهميّة. إلينا اختفت تمامًا. لا حسابات على مواقع التواصل، لا أخبار، لا صور. وهذا الغياب بالذات جعل بيا تشعر بنوع غريب من الانتصار، كأن الصمت دليل الهزيمة.
بعد عشر سنوات، وفي مساء عادي، رنّ هاتف إلينا برقم قديم. صوت بيا جاء كما كان دائمًا: ناعمًا، متصنّعًا، يقطر سخرية. قالت لها إنها دُعيت إلى لقاء لمّ الشمل الكبير، وأضافت بخبث أنهم سمعوا أنها ستسافر للعمل في الخارج كخادمة منزليّة، وأنه من اللطيف أن يودّعوها قبل “الرحيل العظيم”، ونصحتها أن ترتدي شيئًا مريحًا لأنها قد تحتاج لخدمة الضيوف، فهي معتادة على هذا النوع من العمل. إلينا استمعت للنبرة، فهمت المقصد، ورأت المشهد كاملًا قبل أن يحدث. لم تغضب. لم ترتعش. ابتسمت فقط وقالت بهدوء أربك بيا: “حسنًا. سأحضر… وسأرتدي
جاء مساء اللقاء في حديقة فندق فاخر، حيث الأضواء الدافئة، والكؤوس اللامعة، والأحاديث المتخمة بالتفاخر. وصلت السيارات الفارهة واحدة تلو الأخرى، ونزل منها أشخاص يحاولون إثبات أنهم أصبحوا “أهم” مما كانوا. ثم وصلت إلينا. كما توقّعوا تمامًا. زيّ خادمة بسيط، نظيف، بلا مكياج، بلا حُلي. كأنها خرجت من صورة قديمة. الصمت الذي تلا وصولها لم يكن احترامًا، بل دهشة ممزوجة بالشماتة، قبل أن ينفجر الضحك. بيا كانت أوّل من صرخ، أشارت إليها بكأسها، وسخرت علنًا، ثم اقتربت منها مع المجموعة، طلبت منها النبيذ، دفعتها بكلمات عن “الواقع”، وعن النهاية المتوقّعة لطالبة كانت الأولى يومًا ما. كل كلمة كانت مقصودة، محسوبة، كطعنة بطيئة.
إلينا خفّضت رأسها. لم تدافع عن نفسها. تركتهم يفرغون كل ما بداخلهم. وفي اللحظة التي دفعتها فيها بيا بكتفها قائلة إن وجودها يفسد المشهد، حدث ما لم يكن في الحسبان. اهتزّت الأرض تحت أقدامهم، ارتفعت الرياح فجأة، تطايرت المفارش، وتعالت الصرخات. مروحيّة ضخمة هبطت ببطء، لامعة، تحمل شارات ذهبيّة وشعار المملكة الملكيّة بوضوح لا يخطئه أحد. توقّفت
انفتح باب المروحيّة، ونزل منها رجل ببدلة رسميّة، تقدّم بخطوات ثابتة، ثم فتح الباب الخلفي باحترام واضح. الجميع كان يحدّق، والهمسات تحوّلت إلى صمت ثقيل. ثم ظهرت إلينا… إلينا أخرى. نفس الوجه. نفس الملامح. لكن بوقار مختلف. وقفت المرأة القادمة من المروحيّة، نظرت حولها، ثم اتّجهت مباشرة نحو إلينا التي ترتدي زيّ الخادمة. انحنت أمامها انحناءة كاملة، وقالت بصوت سمعه الجميع: “سموّ الأميرة… المروحيّة جاهزة. تأخّرنا بما فيه الكفاية.”
تجمّد الدم في عروق الحاضرين. بيا أسقطت كأسها. أحدهم ضحك ظنًّا أن الأمر مزحة، لكن لم يضحك أحد معه. رفعت إلينا رأسها ببطء، وخلعت المئزر الأبيض، ثم فكّت الزرّ الأعلى للبلوزة، كأنها تخلع قناعًا لا ثوبًا. نظرت إلى الوجوه التي سخرت منها يومًا، وقالت بهدوء قاتل: “درست في الخارج بمنحة ملكيّة. تخصّصت في الاقتصاد والسياسات العامّة. تمّ اختياري منذ خمس سنوات وريثةً لبرنامج إنساني تابع للعائلة الملكيّة بعد أن تبيّن أنني الابنة غير المعلنة لأحد أمرائها السابقين. أمّي… لم تكن غسّالة فقط. كانت امرأة قرّرت أن تحميني من عالمكم.