كنت بصوت من وجع الطلق، وفجأة لقيت حماتي "الحاجة فوزية" اقتحمت أوضة الانتظار في المستشفى وبدأت تزعق بصوت لمّ المستشفى كلها: "بتمثل! والله العظيم بتمثل.. دي عايزة لفت نظر وخلاص!" جوزي "أشرف" حاول يهديها، وبعدين مال عليا وهمس في ودني: "معلش يا منى، كبري دماغك وفوتيلها." بس في اللحظة دي، الوجع زاد لدرجة خلت النفس يهرب مني.. مكنتش قادرة أخد نفسي وخلاص هفطس. الممرضة جت تجري وقالت بحزم: "يا مدام، إحنا هنا عندنا كاميرات!" وبعدين لما رجعوا للتسجيلات، أشرف سكت تماماً.. لأن الكاميرا كشفت حاجة هو طول عمره بيحلف إنها محصلتش. أول مرة "الحاجة فوزية" قالت لي إني "خفيفة وبدلع"، صدقتها وقلت يمكن أنا فعلاً مكبرة الموضوع، كنت لسه عروسة جديدة وجايبة حلم صغير إني أعيش حياة هادية مع جوزي. لكن بعد المرة المية عرفت إن الموضوع مش صدفة، دي كانت خطة بطيئة عشان تخليني أشك في نفسي وأحس إني عبء. فوزية كانت ست قوية وصوتها عالي، من النوع اللي متعود الكل يسمع كلامه من غير نقاش. كانت دايمًا تقول إن الست القوية هي اللي تستحمل وتسكت، وإن التعب الحقيقي بس في دماغ الستات الضعيفة. أشرف في الأول كان بيدافع عني شوية، لكن مع الوقت كلامها بدأ يدخل دماغه. كل يوم تقوله إن الستات زمان كانوا بيشتغلوا في الأرض ويولدوا
ويرجعوا يكملوا شغلهم، وكل يوم ييجي يقولي نفس الكلام كأنه بقى حقيقة مقدسة. ومع شهور الحمل، بقيت حاسة إني لو اشتكيت هبقى فعلاً ضعيفة زي ما هي بتقول. لما ضهري يوجعني، يقول لي: "أمي بتقول ده طبيعي." لما أقول إني تعبانة، يهز كتفه ويقولي: "إنتي مكبرة الموضوع." فوزية كانت بتضحك من بعيد، مش محتاجة تعمل حاجة غير إنها تزرع الفكرة وتسيبها تكبر. لما دخلت الشهر التاسع، بقيت مرعوبة من لحظة الولادة مش بس عشان الألم، لكن عشان عارفة إن أي حاجة هتحصل هتتحول قدامها لاتهام جديد. وفي ليلة الساعة 3 الفجر صحيت على وجع قوي في بطني، الوجع كان مختلف، موجة بتيجي وتعدي وتسيبني مرهقة. فهمت إنه الطلق. صحت أشرف بصعوبة وقلت له إن لازم نروح المستشفى. لبس بسرعة لكن أول حاجة عملها وهو خارج من الباب إنه مسك الموبايل. لما ركبنا العربية شفته بيكتب رسالة، ولمحت اسم "ماما". قلبي انقبض وقلت له برجاء: "بلاش تقولها دلوقتي.. مش وقته." رد وهو سايق: "دي قلقانة بس." حسيت إن وجع الطلق أخف من الخوف اللي دخل صدري ساعتها. لما وصلنا المستشفى، قعدوني على كرسي متحرك في منطقة الانتظار. الإضاءة البيضا القوية وريحة المطهرات خلتني أحس إني في حلم تقيل. أشرف وقف جنبي ماسك الموبايل، وأنا بحاول أتنفس مع كل طلقة. وفجأة الباب اتفتح ودخلت
فوزية. كانت ماشية بثقة كأنها داخلة بيتها. أول ما شافتني بدأت الكلام اللي سمعته قبل كده مية مرة، لكن بصوت أعلى. اتهمتني إني ببالغ وبمثل. الناس اللي في الانتظار بدأوا يبصوا علينا. حاولت أطلب منها توطي صوتها لكن هي قربت أكتر وكأنها عايزة تثبت للكل إني كذابة. طلقة قوية خلتني أصرخ غصب عني، لكنها ضحكت بسخرية وقالت إن ده تمثيل. في اللحظة دي حسيت إن نفسي بيتقطع، صدري اتقفل كأن حد حاطط حجر فوقه. حاولت آخد نفس لكن ما قدرتش. الدنيا بدأت تسود قدام عيني. الممرضة جت تجري، ركعت قدامي وطلبت مني أركز معاها. فوزية فضلت تصرخ وتقول إني بكذب. الممرضة رفعت راسها وقالت لها ببرود إن في كاميرات بتسجل كل حاجة. الكلمة دي خلت المكان يسكت لحظة. فوزية حاولت تبان قوية، لكن نظرة أشرف للسقف كشفت إنه بدأ يقلق. نقلوني بسرعة لغرفة الفحص، والدكاترة اكتشفوا إن الضغط عندي ارتفع بشكل خطير بسبب التوتر، وإن في اختناق تنفسي كاد يسبب كارثة. دخلوني غرفة الولادة بسرعة، وأشرف وقف بره مع أمه. العملية استمرت ساعات طويلة، وفي النهاية خرج صوت بكاء طفل صغير ملأ المكان. ابني اتولد بخير. لما فقت بعد الولادة بساعات، لقيت الممرضة نفسها واقفة جنبي. ابتسمت وقالت إن ابني بخير. لكن بعدها قالت جملة غريبة: "إدارة المستشفى طلبت من جوزك
ووالدته يقعدوا مع الإدارة." استغربت وسألت ليه. قالت بهدوء إن الكاميرات سجلت كل اللي حصل في الانتظار، وإن اللي حصل يعتبر تعدي وإزعاج لمريضة في حالة حرجة. بعد شوية دخل أشرف الأوضة. كان ساكت بطريقة غريبة. عينيه حمرا كأنه كان بيبكي. قعد جنبي وقال بصوت مكسور: "أنا شوفت التسجيل." سكت لحظة وكأنه مش لاقي الكلام، وبعدين قال إنه أول مرة يشوف بعينه إزاي أمه كانت بتضغط عليا وإزاي أنا كنت فعلاً مش قادرة أتنفس. الكاميرا سجلت كل حاجة، حتى اللحظة اللي كنت بحاول فيها آخد نفس وما قدرتش. قال إنه حس إنه كان أعمى طول السنين اللي فاتت. بعدها بأيام قليلة، المستشفى قدمت شكوى رسمية ضد فوزية بسبب اللي حصل. القضية ما كبرتش قوي لأن الإدارة اكتفت بتعهد رسمي منها بعدم دخول المستشفى تاني والتسبب في مشاكل. لكن اللي حصل كان كفاية يهز البيت كله. لما رجعنا البيت، أشرف بقى مختلف. بقى يساعدني في كل حاجة ويبعدني عن أي ضغط. وفوزية، اللي كانت دايمًا صوتها أعلى من الكل، بقت ساكتة لأول مرة. يمكن لأن الحقيقة اللي حاولت تدفنها سنين ظهرت قدام الكاميرا في لحظة. وأنا، رغم التعب والألم، كنت شايلة ابني الصغير بين إيديا وحاسة إن أول مرة حد شافني بوضوح… مش كست بتبالغ، لكن كإنسانة كانت بتحاول بس تعيش وتولد طفلها بسلام.