مش مجرد عاملة
عاملة النظافة قضت ساعة كاملة مع التوأم التايهين... ولما جه الأب المليونير وشاف المشهد، حياته اتقلبت تماماً.
نادية عمرها ما تخيلت إن في يوم تلات عادي، وهي لابسة مريلتها الزرقاء اللي متبهدلة كلور وإيديها ناشفة من المنظفات، حياتها هتتقسم نصين.
كانت الساعة داخلة على أربعة العصر في عمارة إدارية كبيرة في شارع التسعين بالتجمع الخامس. الشمس كانت حامية، والمديرين والمهندسين بيجروا في كل حتة وماسكين القهوة في إيديهم، ومحدش فيهم بيبص لتحت، مكان ما الناس "اللي مابتتشفش" ماشيين.
نادية كانت واحدة منهم.
عندها تسعة وعشرين سنة، ساكنة في أوضة فوق السطوح في منطقة شعبية، وشغالة عاملة نظافة بقالها تلات سنين. بتنضف مكاتب ناس بيتكلموا في ملايين، وبترمي زبالة مليانة ورق تمنه أكتر من مرتبها في شهرين. محدش كان بيسلم عليها باسمها، غير عم "إبراهيم" فرد الأمن اللي على الباب.
بعد الظهر، كانت بتمسح شبابيك الدور التاني لما سمعت صوت عياط. ماكنش صوت عالي، كان شهقات مكتومة، صغيرة، ومستخبية. نادية سابت المساحة على الحيطة ونزلت السلم جري، ومشيت ورا الصوت لحد جنب المبنى، ورا شوية شجيرات زينة.. وهناك شافتهم.
بنتين توأم زي القمر، عندهم حوالي أربع سنين، حاضنين بعض. واحدة لابسة فستان أحمر بفيونكة، والتانية فستان أصفر. خدودهم كانت غرقانة دموع، وعينيهم وارمة، وإيديهم الصغيرة بتترعش.
نادية وطت على ركبتها براحة عشان ماتخوفهمش: "أهلاً يا حبايبي.. أنا اسمي نادية. إنتوا تايهين؟"
البنت اللي بالفستان الأحمر هزت راسها براحة وقالت بصوت بيقطع: "أنا جودي..
ليلى اللي بالأصفر ماتكلمتش، بس مسكت إيد أختها أقوى.
نادية حست بوجع في قلبها. بصت حواليها، مفيش حد بيدور عليهم، مفيش حد بينده. قالت لهم بحنية: "خلاص، ماتخافوش. أنا هفضل معاكم لحد ما نلاقي بابا.. مش هسيبكم لوحدكم أبداً."
خدتهم وقعدوا على دكة تحت شجرة. دورت في لبسهم على أي رقم تليفون، بس مالقيتش حاجة. طلعت تفاحة وكيس بسكويت من شنطتها، كانت شايلاهم عشان تاكلهم في الاستراحة: "أنا معاييش حاجات كتير، بس ممكن نقسمهم سوا."
في الأول، البنات مكنوش بيتكلموا، بس نادية بدأت تحكي لهم حدوتة من تأليفها عن أميرتين توأم تاهوا في جنينة سحرية، وقابلوا ست طيبة معاها مقشة سحرية بتطرد الوحوش. البنات ضحكوا لأول مرة، وليلى سندت راسها على كتف نادية.. الحركة دي خلت نادية تضعف، بقالها سنين محدش اتسند عليها كأنها أمان.
عدت ساعة إلا ربع ونادية بدأت تقلق بجد. حاولت تكلم المشرف بتاعها، "الأستاذ رأفت"، بس ماردش. لسه بتفكر تبلغ البوليس، سمعت صرخة: "جودي! ليلى!"
راجل كان بيجري في الساحة زي المجنون. طويل، لابس بدلة غالية جداً، شعره منكوش ووشه متبهدل من الرعب. نادية عرفته فوراً: "مراد بيه الألفي"، صاحب أكبر شركة في المبنى. شافته كتير وهو داخل وحواليه المساعدين، دايماً جدي وبعيد عن الكل. بس دلوقتي ماكنش باين عليه إنه مليونير.. كان باين عليه إنه أب مكسور.
البنات نطوا من على الدكة: "بابا!"
مراد وقع على ركبه قبل ما يوصل لهم، وحضنهم بقوة كأنه عايز يدخلهم جوه ضلوعه، وباس راسهم وإيده بتترعش: "يا حبايبي.. سامحوني.. أنا السبب.
نادية وقفت بعيد بكسوف، وحست إن وجودها ملوش لزمة. بس ليلى بعدت عن حضن باباها وقالت: "هي خدت بالها مننا يا بابا.. أكلتنا بسكويت وماخلتناش نعيط."
مراد رفع عينه وجت في عين نادية. فضل يبص لها كأنه مش مستوعب إن الست دي، اللي شافها ألف مرة قبل كدة من غير ما "يشوفها" بجد، هي اللي كانت الأمان لبناته.
سألها: "إنتي اللي لقيتيهم؟"
نادية هزت راسها: "كانوا خايفين.. وأنا بس.. فضلت قاعدة معاهم."
مراد قام براحة وقال وصوته مخنوق: "مفيش حاجة اسمها 'بس'.. إنتي ماتعرفيش إنتي عملتي عشاني إيه."
نادية ردت: "أي حد كان هيعمل كدة."
هز راسه بقوة: "لأ.. مش أي حد."
في اللحظة دي، ظهر "الأستاذ رأفت" المشرف وهو متنرفز: "نادية! ممكن أفهم سايبة شغلك وواقفة هنا بتعملي إيه؟ في مكاتب لسه ماتنضفتش!"
مراد لف له وبص له بصه تلجت الدم في عروقه: "إنت بتزعق للست اللي حمت بناتي؟"
رأفت وشه بقى أبيض: "مراد بيه، أنا ماكنتش أعرف.."
"يبقى تتعلم تسأل قبل ما تهين حد."
مراد بص لنادية تاني: "اسمك إيه؟"
"نادية."
"شكراً يا نادية.. بجد."
بعد يومين، مراد جالها لوحده من غير مساعدين: "جودي وليلى مش بيبطلوا كلام عنك، وبيسألوا لو 'طنط البسكويت' ممكن تيجي تتعشى معانا."
نادية اتصدمت: "ماظنش إن ده ينفع.. أنا بشتغل هنا."
رد عليها: "عشان كدة أنا عارف إنتي مين.. ست كان ممكن تفضل تمسح شبابيك، بس اختارت تحمي طفلتين تايهين."
نادية وافقت عشان خاطر البنات. لما راحت بيت مراد، شافت بيت غالي بس فيه حزن. مراد حكى لها إن مراته توفت من سنتين، وإنه غرق نفسه في الشغل وافتكر إن الفلوس
نادية حكت له عن حياتها الصعبة، وعن أحلامها اللي ركنتها عشان "تعيش" مش أكتر. ومن ليلتها، بدأت حاجة تتولد بينهم.. مش حب قصص خيالية، بس حاجة حقيقية جداً.
طبعاً الكلام كتر في الشركة، والسكرتيرات بدأوا يلقحوا كلام إنها "ضحكت على المدير عشان فلوسه". نادية عيطت وقررت تبعد، بس مراد وقف قدامها وقال لها: "إياكي تقللي من قيمة نفسك.. الحقيقة إن بناتي تاهوا وإنتي كنتي بيتهم لمدة ساعة. الحقيقة إن بقالي سنتين بتنفس من غير ما أعيش، وإنتي رجعتيلي الأمل."
مراد ما حاولش "ينقذها" بطريقة مهينة، بس عرض عليها منحة تدرس إدارة وتشتغل في مؤسسة خيرية تبع شركته، وهي وافقت بشرط إنها تثبت نفسها بمجهودها.. وفعلاً نجحت وبقت تدير برامج لدعم الأمهات المعيلات والأطفال.
بعد سنة، وفي جنينة بيتهم، جودي وليلى جريوا بتيجان ورد: "دلوقتي ممكن تتجوزي بابا!"
مراد نزل على ركبة واحدة وقدم لها خاتم بسيط: "أنا مش بطلب منك تملي فراغ.. أنا بطلب منك تبني حياة معايا.. ومعانا."
نادية وافقت بدموع فرح، بس بشرط واحد: "يكون في بسكويت في الفرح زي اللي أكلته للبنات يوم ما تاهوا."
في يوم الفرح، نادية كانت لابسة فستان أبيض، والبنات ماشيين قدامها بيرموا ورد وهما بيقولوا لكل الناس بفخر: "هي اللي لقتنا لما تهنا."
نادية سمعتهم وفكرت إن يمكن هما كمان اللي لقوها.. لأن قبل اليوم ده، نادية كانت "عايشة وخلاص"، بس بعد الساعة دي تحت الشجرة، اتعلمت إن الحياة بتتغير لما تقرر تكون إنت "المعجزة" في حياة حد تاني.
نادية ما بقتش