رمي مراته
رمى مراته في الشارع عشان سوء فهم قاتل… وبعد سنة لقاها بتلم زبالة ومعاها سر خلى دمه يتجمد من الصدمة!
— "وقف العربية دي حالاً يا سيف! وقفها دلوقتي!"
صوت "ليلى" كان حاد، قطع هدوء العربية المرسيدس على الطريق الصحراوي. سيف داس فرامل فجأة، وصوت الكاوتش صرخ على الأسفلت، والتراب غطّى العربية.
— "بص هناك.." قالتها ليلى وهي بتشاور، "مش دي… مراتك القديمة؟"
سيف لف وشه ببطء… وفي اللحظة دي، حس إن الزمن وقف.
على بعد كام متر، وتحت شمس حارقة، كانت "هناء".
بس مش هناء اللي كان يعرفها.
مش الست الأنيقة اللي كانت بتدخل معاه أفخم الأماكن، ولا الضحكة اللي كانت بتنور حياته… اللي قدامه كانت واحدة تانية خالص. هدومها قديمة ومقطوعة، شعرها متلخبط، ملامحها تعبانة، وباين عليها إنها شايلة الدنيا فوق كتافها.
لكن اللي صدمه بجد… مش شكلها.
هناء كانت شايلة طفلين صغيرين، ملفوفين في شال بسيط. توأم… نايمين من التعب.
قلب سيف دق بعنف… وهو مركز في ملامحهم.
نفس لون عيونه… نفس ملامحه.
— "إزاي؟!" همس لنفسه، وصوته خرج مكسور.
تحت رجل هناء كان شوال مليان إزازات بلاستيك… كانت بتلمهم من الأرض.
مراته… اللي كانت أغلى حاجة في حياته… بقت بتدور في الزبالة عشان تعيش… ومعاها طفلين… شكلهُم منه.
ليلى اتكلمت
هناء ما ردتش. ولا حتى بصت لها.
بس بصت لسيف.
نظرة واحدة… مليانة وجع وسكوت.
نظرة فيها ألف حكاية… من غير ولا كلمة.
سيف افتكر كل حاجة…
اليوم اللي طردها فيه. الورق اللي شافه، الاتهامات، الغضب… وإصراره إنه ما يسمعش لها.
افتكرها وهي بتبكي: — "أنا مظلومة يا سيف… والله مظلومة…"
وهو… اختار يصدق الشك بدلها.
صوت عربية كبيرة عدّت جنبهم رجّعه للحظة.
ليلى رمت فلوس على الأرض وقالت ببرود: — "خدي… عشان العيال."
الفلوس وقعت قدام هناء.
هناء بصتلها لحظة… وبعدين رفعت عينها لسيف.
نفس النظرة.
مش كره… ولا عتاب.
نظرة أهدى… وأوجع.
شالت الشوال، وعدلت الطفلين، ومشيت من غير ما تنطق كلمة.
سيف حس إن صدره بيتكتم.
في اللحظة دي… فهم إنه ممكن يكون ضيع كل حاجة.
— "امشي يا سيف!" قالتها ليلى بضيق.
سيف سكت… وداس بنزين.
لكن وهو سايق… كان شايف خيال هناء في المراية… بيبعد… وبيكسر فيه حاجة مش هتتصلح بسهولة.
بعدها نزل ليلى عند مول… ورجع شركته بسرعة.
قفل على نفسه المكتب… وقعد يفكر.
لازم يعرف الحقيقة.
كلم حد يثق فيه… وطلب منه يراجع كل حاجة حصلت زمان… من أول وجديد.
وبعد ساعات قليلة…
وصله ملف.
سيف فتحه بإيد بتترعش…
وأول صورة شافها…
خلت
لأن الحقيقة… كانت أقسى بكتير مما تخيل.سيف فضل باصص في الصورة كذا ثانية… كأنه مش مستوعب.
إيده بتترعش… وقلبه بيدق بعنف.
كانت شهادة ميلاد.
مش واحدة… اتنين.
التوأم.
قرب الصورة أكتر… وقرأ بصوت مخنوق:
— "الاسم: سليم سيف الدين…
وسليم سيف الدين (توأم)…"
وقف عند خانة الأب…
وسكت.
— "الأب: سيف الدين محمود."
وقع في الكرسي كأن رجله ما شالتوش.
— "ولادي…"
الكلمة خرجت منه وهو مش مصدق.
دماغه بدأت تربط كل حاجة…
هناء كانت حامل… وهو رماها في الشارع!
— "أنا عملت إيه…؟!"
مسك تليفونه بسرعة وكلم المتحري:
— "إنت متأكد من الورق ده؟!"
— "مية في المية يا فندم… ومش ده بس."
سيف سكت… قلبه بيغلي.
— "في تسجيل قديم من المستشفى… يوم ما مدام هناء راحت تكشف أول مرة."
— "قول!" صرخ سيف.
— "قالت للدكتور إنها حاولت توصل لحضرتك… وإن حد كان بيمنعها."
سيف حس الدم بيجمد في عروقه.
— "مين؟!"
ثانية صمت… وبعدين الرد جه تقيل:
— "المدام… ليلى."
سيف قام واقف مرة واحدة.
— "إزاي يعني؟!"
— "في تحويلات اتعملت من حساب حضرتك… واتسحبت بإمضاء إلكتروني… واتحولت لحساب تاني… باسم شركة وهمية."
— "يعني… كل اللي حصل كان متفبرك؟!"
— "أيوه يا فندم… الصور كمان متفبركة. واللوكاندا؟ الحجز كان باسم حد تاني…
سيف مسك رأسه بإيده… وهو بيحاول يستوعب.
— "والعقد… عقد الألماظ؟!"
— "اتسرق قبلها بيوم… واتحط في هدومها."
سيف عينه دمعت لأول مرة.
— "أنا دمرت حياتها…"
رد المتحري بهدوء: — "لسه في فرصة تصلح يا فندم… بس لازم تتحرك بسرعة."
سيف ما ردش.
قفل المكالمة… وطلع يجري.
ركب عربيته… ونفس الطريق الصحراوي… بس المرة دي كان بيسوق كأنه بيهرب من نفسه.
فضل يدور عليها بالساعات…
لحد ما شافها.
نفس المكان تقريبًا.
هناء قاعدة على الرصيف… والتوأم
قرب بالعربية… ونزل ببطء.
خطوة… ورا خطوة…
لحد ما وقف قدامها.
هناء رفعت عينها… شافته.
ما اتفاجئتش.
كأنها كانت متوقعة.
سيف صوته خرج مكسور: — "دول… ولادي؟"
هناء بصتله شوية… وبعدين قالت بهدوء:
— "أيوه."
سيف دموعه نزلت: — "ليه ما قولتيش؟!"
ابتسمت ابتسامة خفيفة… موجوعة:
— "قلت… بس إنت ما سمعتش."
سكت.
ما لاقاش رد.
قعد قدامها على الأرض… لأول مرة في حياته ينزل للمستوى ده.
— "أنا غلطت… وغلطت غلطة عمر… سامحيني."
هناء بصت لولادها… وبعدين له:
— "السماح مش كلمة يا سيف…"
— "طب أعمل إيه؟! قوليلي… أعمل أي حاجة!"
ثواني صمت…
والهواء ساكن.
وبعدين قالت:
— "لو عايز تعوض… عوضهم هما… مش أنا."
سيف بص للتوأم…
واحد فيهم فتح عينه… وبصله.
نفس عينه بالظبط.
في اللحظة دي… سيف حس إن قلبه اتولد من جديد.
لكن الحقيقة…