رمي مراته
إن الطريق قدامه لسه طويل جدًا.
وإنه مش بس محتاج يصلّح…
ده محتاج يثبت إنه يستاهل فرصة تانية.سيف فضل باصص في الصورة كذا ثانية… كأنه مش مستوعب.
إيده بتترعش… وقلبه بيدق بعنف.
كانت شهادة ميلاد.
مش واحدة… اتنين.
التوأم.
قرب الصورة أكتر… وقرأ بصوت مخنوق:
— "الاسم: سليم سيف الدين…
وسليم سيف الدين (توأم)…"
وقف عند خانة الأب…
وسكت.
— "الأب: سيف الدين محمود."
وقع في الكرسي كأن رجله ما شالتوش.
— "ولادي…"
الكلمة خرجت منه وهو مش مصدق.
دماغه بدأت تربط كل حاجة…
هناء كانت حامل… وهو رماها في الشارع!
— "أنا عملت إيه…؟!"
مسك تليفونه بسرعة وكلم المتحري:
— "إنت متأكد من الورق ده؟!"
— "مية في المية يا فندم… ومش ده بس."
سيف سكت… قلبه بيغلي.
— "في تسجيل قديم من المستشفى… يوم ما مدام هناء راحت تكشف أول مرة."
— "قول!" صرخ سيف.
— "قالت للدكتور إنها حاولت توصل لحضرتك… وإن حد كان بيمنعها."
سيف حس الدم بيجمد في عروقه.
— "مين؟!"
ثانية صمت… وبعدين الرد جه تقيل:
— "المدام… ليلى."
سيف قام واقف مرة واحدة.
— "إزاي يعني؟!"
— "في تحويلات اتعملت من حساب حضرتك… واتسحبت بإمضاء إلكتروني… واتحولت لحساب تاني… باسم شركة
— "يعني… كل اللي حصل كان متفبرك؟!"
— "أيوه يا فندم… الصور كمان متفبركة. واللوكاندا؟ الحجز كان باسم حد تاني… ومدام هناء كانت رايحة تقابل واحدة ست… مش راجل."
سيف مسك رأسه بإيده… وهو بيحاول يستوعب.
— "والعقد… عقد الألماظ؟!"
— "اتسرق قبلها بيوم… واتحط في هدومها."
سيف عينه دمعت لأول مرة.
— "أنا دمرت حياتها…"
رد المتحري بهدوء: — "لسه في فرصة تصلح يا فندم… بس لازم تتحرك بسرعة."
سيف ما ردش.
قفل المكالمة… وطلع يجري.
ركب عربيته… ونفس الطريق الصحراوي… بس المرة دي كان بيسوق كأنه بيهرب من نفسه.
فضل يدور عليها بالساعات…
لحد ما شافها.
نفس المكان تقريبًا.
هناء قاعدة على الرصيف…
قرب بالعربية… ونزل ببطء.
خطوة… ورا خطوة…
لحد ما وقف قدامها.
هناء رفعت عينها… شافته.
ما اتفاجئتش.
كأنها كانت متوقعة.
سيف صوته خرج مكسور: — "دول… ولادي؟"
هناء بصتله شوية… وبعدين قالت بهدوء:
— "أيوه."
سيف دموعه نزلت: — "ليه ما قولتيش؟!"
ابتسمت ابتسامة خفيفة… موجوعة:
— "قلت… بس إنت ما سمعتش."
سكت.
ما لاقاش رد.
قعد قدامها على الأرض… لأول مرة في حياته ينزل للمستوى ده.
— "أنا غلطت… وغلطت غلطة عمر… سامحيني."
هناء بصت
— "السماح مش كلمة يا سيف…"
— "طب أعمل إيه؟! قوليلي… أعمل أي حاجة!"
ثواني صمت…
والهواء ساكن.
وبعدين قالت:
— "لو عايز تعوض… عوضهم هما… مش أنا."
سيف بص للتوأم… ومد إيده بيرتجف.
واحد فيهم فتح عينه… وبصله.
نفس عينه بالظبط.
في اللحظة دي… سيف حس إن قلبه اتولد من جديد.
لكن الحقيقة…
إن الطريق قدامه لسه طويل جدًا.
وإنه مش بس محتاج يصلّح…
ده محتاج يثبت إنه يستاهل فرصة تانية.سيف فضل واقف قدام هناء… مش عارف يبدأ منين ولا يصلّح إيه الأول.
الطفلين صحّوا على صوته… واحد فيهم بدأ يعيّط بهدوء. هناء وبتربّت عليه بإيد متعبة… بس حنينة.
سيف حس إن قلبه بيتقطع.
— "أنا مش جاي أخدك بالعافية… ولا أفرض نفسي عليكِ… أنا جاي أصلّح اللي عملته."
هناء بصتله نظرة طويلة… كأنها بتوزن كل كلمة.
— "اللي اتكسر يا سيف… عمره ما بيرجع زي الأول."
— "عارف…" قالها بصوت واطي، "بس ينفع يتبني من جديد… لو انتي وافقتي."
سكتت شوية… وبعدين قالت بهدوء:
— "أنا مش هارجعلك."
الكلمة نزلت عليه زي صدمة… بس ما قاطعهاش.
— "بس…" كملت، وهي بصاله بثبات، "أولادك ليهم حق عليك. لو عايز تكون أب… يبقى تثبت ده بالفعل مش
سيف هز راسه بسرعة: — "هعمل كل حاجة… أي حاجة."
من اليوم ده… كل حاجة بدأت تتغير.
سيف وفّر لهم بيت صغير نضيف قريب من المكان اللي هناء مرتاحة فيه… مش قصر، لكن فيه أمان وكرامة.
تكفّل بكل مصاريف الأطفال… العلاج، الأكل، التعليم… بس من غير ما يفرض نفسه على هناء.
كان بييجي كل يوم… يقعد بعيد شوية في الأول.
يساعد… من غير ما يتكلم كتير.
يشتري لبن… يغيّر حفاضات بإيديه… يسهر لو واحد فيهم عيّط.
وفي كل مرة… كان بيبص لهناء… مستني كلمة… أو حتى نظرة رضا.
وهي؟
كانت ساكتة.
مش قاسية… بس حذرة.
الوقت عدى…
والطفلين كبروا شوية… وبقوا أول ما يشوفوه يضحكوا.
وفي يوم… واحد فيهم مد إيده لسيف وقال أول كلمة:
— "بابا…"
سيف دموعه نزلت فورًا… وهناء شافته.
المرة دي… ما بصتش بعيد.
بصتله… وابتسمت ابتسامة خفيفة.
مش ابتسامة حب…
لكن بداية أمان.
وبعد شهور…
سيف كان قاعد على الأرض بيلعب مع ولاده… وهناء واقفة بتراقب.
قربت منهم… وقعدت جنبهم لأول مرة من غير مسافة.
قالت بهدوء:
— "لسه في طريق طويل يا سيف…"
بصلها، وعينه فيها أمل:
— "ماشيه فيه… لوحدي مش هكمل."
هناء ما ردتش بالكلام…
بس ما قامتش تمشي.
وفي اللحظة دي…
سيف
لكن بداية جديدة… أهدى، أنضف… ومبنية على اختيار مش غصب.
وأهم حاجة…
إنه أخيرًا بقى أب… بجد.