قصة طلقت مراتي بقلم اماني سيد
لأني اكتشفت إني مش عارف أقول إيه.
أقولها إني غلطت؟ أقولها إني افتكرت قيمتها متأخر؟ أقولها إني كنت أعمى؟
ولا كل ده ملوش معنى دلوقتي؟
ليلى قفلت الدرج، وبهدوء شديد قالت من غير ما تلف:
"لو سمحت… لو مفيش حاجة هتتقال في الشغل، الباب هناك."
الإشارة كانت واضحة.
مش عايزة كلام.
ولا اعتذار.
ولا ماضي.
صافي نادت من بره بانفعال:
"إنت ناوي تفضل جوه كتير؟!"
ليلى أخيرًا رفعت عينيها… مش ليا أنا.
لباب المحل.
وقالت بهدوء أقوى من أي صوت:
"اتفضلوا تقفلوا الباب وراكم."
وقبل ما أتحرك، شفتها وهي بترجع تركز في شغلها تاني، كأننا كنا مجرد زبائن وعدوا.
لكن الحقيقة اللي اتكتبت جوايا في اللحظة دي كانت أبسط وأقسى:
أنا ما خسرتش ليلى يوم ما سيبتها…
أنا خسرتها يوم ما افتكرت إن رجوعها احتمال.خرجت من المحل، وصافي ماشية قدامي وهي بتتكلم بعصبية:
"إيه اللي حصل جوا ده؟! إنت كنت غريب جدًا! البنت دي شغالة وخلاص، مش فاهمه التوتر اللي عندك!"
ما رديتش.
كنت ماشي جنبها جسمي بس… لكن عقلي لسه جوه المحل.
جوه عيني ليلى وهي بتقفل
ركبنا العربية، وصافي فضلت تتكلم طول الطريق، وأنا ساكت تمامًا.
لحد ما فجأة قالت:
"بقولك إيه… إنت شكلك لسه متعلق بيها؟"
الفرامل جت عندي من غير ما أقصد.
سكت لحظة.
وبعدين قلت بصوت هادي جدًا:
"أنا اللي ضيّعتها."
صافي بصّتلي باستغراب:
"ضيّعتها؟! دي كانت بتشتغل في محل! إنت بتقول إيه؟"
سكت.
لأني لأول مرة فهمت إن اللي قدامي مش مجرد "محل" ولا "شغل".
دي حياة كاملة أنا مش جزء منها دلوقتي.
وصلنا البيت.
دخلت من غير ما أكلمها، وسيبتها ورايا بتتكلم لوحدها.
قفلت باب الأوضة عليّا.
وقعدت.
ساعات وأنا ثابت مكاني.
كل حاجة في دماغي كانت بتعيد نفس المشهد:
ليلى وهي واقفة.
ليلى وهي بتبلع كرامتها.
ليلى وهي بتقفل الباب في وشي.
وفجأة…
قمت.
فتحت درج قديم في الدولاب.
لقيت فيه حاجة كنت فاكر إني رميتها من سنين.
صورة قديمة لينا إحنا الاتنين.
هي كانت مبتسمة.
وأنا كنت بصّ لها كأني مش واخد بالي من أي حاجة حواليّا.
بصيت للصورة… وهمست لنفسي:
"كنت أعمى… مش زهقت."
في اللحظة دي، موبايلي رن.
رقم غريب.
ردّيت.
صوت رجل:
"حضرتك… أنت قريب من السيدة ليلى؟"
قلبي وقع.
سألت بسرعة:
"في إيه؟"
جاء الرد:
"هي تعبت في الشغل ووقعت… واتنقلت المستشفى."
سكتّ.
والصورة وقعت من إيدي.
وأول حاجة جت في بالي مش صافي…
ولا الماضي…
كانت جملة واحدة:
"لازم ألحقها قبل ما أقفل الباب ده للأبد."من غير ما أفكر في حاجة، لبست أي حاجة قدامي وخرجت بسرعة مجنونة.
صافي كانت بتنادي ورايا:
"رايح فين؟! في إيه؟!"
ما رديتش.
كنت بس سامع صوت واحد جوا دماغي: ليلى وقعت… ليلى في المستشفى.
سقت العربية بسرعة، إيدي بتترعش، وكل إشارة حمرا كانت بتبقى دقيقة زيادة في العذاب.
لما وصلت المستشفى، دخلت مهرول.
سألت الاستقبال:
"ليلى… ليلى اللي جات من شغل محل فساتين!"
الدنيا كانت بتلف بيا.
الممرضة بصّت في الورق وقالت:
"أيوه… حالتها مستقرة، كانت هبوط بسيط في الضغط وإجهاد شديد."
سألت بسرعة:
"هي فين؟"
قالت:
"في أوضة 7."
جريت على طول.
وقفت قدام الباب.
إيدي كانت فوق المقبض… ومش قادرة تفتحه.
مش خوف من اللي جوا.
خوف مني أنا.
فتحت.
ليلى
متوصلة بمحلول، وإيديها على البطانية كأنها بتحاول تمسك نفسها بالعافية.
دخلت ببطء.
ولأول مرة، هي بصّتلي.
نظرة مش مفاجأة… ولا صدمة.
نظرة تعب.
قالت بصوت واطي:
"إنت جيت ليه؟"
سكت.
وقعدت على الكرسي جنب السرير.
قلت بصوت مكسور لأول مرة:
"خايف… أكون اتأخرت تاني."
ضحكت ضحكة صغيرة جدًا، فيها وجع أكتر من أي دموع:
"اتأخرت من زمان."
الكلمة دخلت جوايا زي سكينة.
سكتنا ثواني.
بعدين قلت:
"أنا فاكر إني كنت بدور على حياة أحسن… بس اكتشفت إني كنت بهرب من اللي يستاهل يتعاش."
ليلى بصّت للسقف.
وقالت بهدوء:
"وأنا اكتشفت إن الوحدة أرحم من حد يكسرك وهو شايفك مش شايف."
سكت تاني.
قمت من مكاني، وقربت خطوة من السرير، بس من غير ما ألمسها.
قلت:
"أنا مش جاي أرجعك غصب… ولا أغير اللي فات… أنا بس جاي أقولك إني فاهم."
ليلى سكتت شوية طويلة.
وبعدين قالت:
"الفهم متأخر برضه وجع."
وقبل ما أرد، دخلت الممرضة وقالت إن الزيارة خلصت.
وقفت.
آخر نظرة بيني وبينها كانت مختلفة.
مش حب.
مش
لكن حاجة أخطر…
باب مفتوح على احتمال ما عادش مضمون.
وطلعت من الأوضة وأنا عارف إن المرة دي…
مش كل الأبواب بتتصلح بالكلام.