قررت ابيع عربية مراتي بقلم زيزي

لمحة نيوز

قررت أبيع عربية مراتي بعد خمس شهور من وفاتها… بس اللي لقيته جوه درج التابلوه خلاني مش قادر أتنفس
القرار ماجاش فجأة.
كان بيتسلل جوايا واحدة واحدة… مع ليالي طويلة من غير نوم، وصبح هادي أوي يخلي البيت واسع زيادة عن اللازم على شخص واحد بس.
كل مرة أبص من شباك الجراج ألاقي العربية السدان الفضي واقفة زي ذكرى متجمّدة.
مفيش حد بيقرب منها. مفيش حد بيمسها.
وكنت دايمًا بقول لنفسي: "لسه مش جاهز أبيعها"…
بس الحقيقة كانت أبسط وأقسى: أنا كنت واقف مكاني ومش قادر أتحرك.
اسمها كان إيميلي.
كانت عندها 36 سنة لما ماتت.
تمدد شرايين مفاجئ… من غير أي إنذار.
في ثانية واحدة كانت واقفة في مطبخنا حافية، بتجادلني إن ماكينة القهوة بتسرّب.
وفي الثانية اللي بعدها… راحت.
مفيش وداع.
مفيش آخر كلمة تتقال وتتتسجل في الذاكرة.
بعد الجنازة، الناس كانوا بيقولوا: "الوقت هيخفف الألم".
وكانوا قصدهم يطمنوني…
بس اللي ماقالهوش ليا حد إن الوقت ما بيمسحش حاجة…
هو بس بيطوّل الصمت.
والعربية… بقت جزء من الصمت ده.
إيميلي كانت بتحب العربية دي بشكل غريب.
مش عربية فخمة… كانت تويوتا كامري عادية، خمس سنين

استخدام.
بس كانت بتعتني بيها كأنها كائن حي.
غسيل في معاده.
زيت يتغير بدقة.
الصالون دايمًا نضيف.
كانت بتهزر وتقول:
"دي أكتر عربية مملة في أمريكا"
بس كانت بتحبها.
بعد ما ماتت… ماقدرتش أقرب منها.
مرة واحدة ركبت جنبها عشان أجيب ورق، وحسيت إني هقع من كتر الوجع.
نضارتها لسه في حامل الكوباية…
وزجاجة معقم نصها فاضي في الباب…
كل حاجة زي ما هي.
عدّى خمس شهور.
الحياة مكملتش تستناني.
الفواتير مكملة.
والبيت مكمل يضغط.
وفي يوم، فهمت إني ماسك في العربية دي مش حب…
أنا ماسك فيها عشان لما أسيبها، هحس إني بسيبها هي كمان تاني.
فقررت أبيعها.
قبل ما المشتري ييجي، قلت أنضفها.
دخلت الجراج، لبست هودي قديم، وقعدت على كرسي السواق لأول مرة من شهور.
ساعتها بس…
الرائحة ضربتني.
إيميلي.
إيدي اتلخبطت على الدركسيون.
فضلت ساكت فترة، ببص قدامي، فاكر ضحكتها وهي بتغني غلط على الراديو، وطريقتها وهي تلوّحلي كل مرة أخرج من البيت.
بدأت أنضف واحد واحد.
التابلوه… الجيوب… الشنطة.
مفيش حاجة غريبة.
لحد ما فتحت درج التابلوه.
كان مقفول.
وده لوحده كان غريب… إيميلي عمرها ما كانت بتقفله.
ضغطت الفتحة
الصغيرة، وفتح.
وفي اللحظة دي… حاجة وقعت على رجلي.
ظرف.
تقيل.
مكتوب عليه اسمي… بخط إيميلي.
قلبي وقف.
خطها مايتغلطش عليه. مائل بسيط، هادي، كأنها بتكتب بابتسامة.
مسكت الظرف بإيد بترتعش.
جواه أوراق متقفولة بعناية… وفوقهم رسالة.
و أول سطر فيها كان بيقول:
"لو إنت بتقرأ الرسالة دي، يبقى أنا ماقدرتش أقولك بنفسي…"قفلت الجملة وأنا حاسس إن الهوا اتسحب من صدري.
إيدي بتترعش وأنا ماسك الورق… بس مش قادر أفتحه فورًا.
كأن في حاجة جوايا بتقول: متكملش… لو كملت مش هترجع زي الأول.
بس فضولي كان أقوى.
فكيت أول ورقة.
وكانت مكتوبة بخط إيميلي:
"أنا عارفة إنك دلوقتي بتفكر تبيع العربية."
اتجمدت.
إزاي؟
إزاي ممكن تعرف ده؟
كملت قراءة:
"ولو إنت عملت كده، يبقى أنت جاهز تعرف الحقيقة… الحقيقة اللي مخبيتها عنك سنين."
حسيت بدوخة خفيفة.
حقيقة إيه؟
قلبت الورقة التانية بسرعة.
"أنا ما متش زي ما قالوا لك…"
وقفت.
عيوني ثبتت على الجملة.
إيدي سابت الورق وقع على رجلي، وأنا مش قادر أتنفس.
إزاي يعني؟
كل حاجة حصلت في الجنازة… الدكاترة… الشهادة… الدفن…
كملت بصعوبة، ورفعت الورقة من الأرض.
"في حاجة
حصلت قبل ما أموت بساعات… حاجة لو كنت حكيتها لك، كنت هتكرهني أو هتخاف عليّا أكتر من اللازم."
الصوت في الجراج بقى غريب…
كأن المكان ضيق فجأة.
قلبت الورقة اللي بعدها بسرعة أكبر.
"لو وصلت للرسالة دي، يبقى حد تاني مش عايزك تعرف الحقيقة… وده معناه إنك ممكن تكون مش لوحدك دلوقتي."
ساعتها…
سمعت صوت خفيف جدًا.
تك…
زي باب عربية بيتقفل بهدوء.
رفعت راسي ببطء ناحية المراية الجانبية.
مفيش حد.
بس… باب الجراج اللي كنت قافله بإيدي قبل ما أدخل…
كان مفتوح سنة صغيرة.قفلت الورقة بسرعة وبصيت ناحية الباب المفتوح.
القلب بيدق بشكل مش طبيعي…
بس مفيش صوت تاني.
سكون.
الهوى داخل الجراج بارد زيادة عن الطبيعي، كأنه جاي من مكان مش من الشارع.
قمت ببطء، وخطوت ناحيته.
كل خطوة كانت تقيلة، كأني ماشي جوه ميّه.
وصلت للباب، وطلعته أقفله.
إيدي مسكت المقبض…
وفجأة—
صوت معدني جه من ورايا.
تك… تك… تك…
لفيت بسرعة.
العربية.
الضوء اللي جوه التابلوه نور لوحده.
وبعدين…
صوت كليك.
المفتاح اللي كنت سايبه على الكرسي… اتزحلق لوحده ناحية الكونتاكت.
"ده مستحيل…" همست لنفسي.
العربية اشتغلت.
الموتور دار كأن
حد دايس على السويتش.
رجلي اتسمّرت في الأرض.
الأنوار الأمامية نورت… ووقعت على باب الجراج المفتوح.
وفي نفس اللحظة…
الراديو اشتغل.

تم نسخ الرابط