حماتي حبستني
هيقلب الفرح كله جحيمالكل اتجمد في مكانه.
صوت العياط كان أعلى من موسيقى الفرح اللي لسه شغالة بره القاعة بشكل غريب كأن محدش واخد باله إن في حاجة بتنهار جوه.
شيرين تقدمت خطوة: "دي شنطة مين؟! حد يرد!"
هاني مسك إيدي جامد كأنه بيحاول يثبتني في الواقع: "مريم… انتي سامعة العياط ده؟"
بس أنا كنت مش قادرة أركز… الألم كان أعلى من أي صوت، وجسمي بيقول إن اللحظة قربت بشكل مرعب.
حماتي فجأة قالت بهدوء مريب: "افتحوا الشنطة."
واحد من العمال اتردد، وبعدين قرب ببطء وفتح السحّاب…
وفي اللحظة دي…
الكل شهق.
جوه الشنطة كان فيه بيبي ملفوف في بطانية بيضا… بيعيط بصوت عالي.
لكن اللي جمّد الدم في عروقنا مش العياط…
إن الطفل كان لابس سوار مستشفى باسم مختلف تمامًا.
"ليلى… بنتي؟" هتفت بيها بصوت مكسور وأنا مش قادرة أصدق.
هاني بص للطفل، وبعدين بصلي… وبعدين رجع بص لحماته: "إنتِ بتلعبي بإيه بالظبط؟!"
حماتي ابتسمت لأول مرة… ابتسامة مش طبيعية: "أنا ما بلعبش… أنا بصلّح غلطة كانت هتدمّر العيلة."
قربت خطوة وقالت: "الطفلة دي اتبدلت في المستشفى… من أول لحظة وهي مش بنت مريم."
الصدمة وقفت الزمن.
أنا صرخت: "إنتِ بتقولي إيه! أنا شيلت بنتي! أنا رضعتها! أنا…"
لكن صوتي اتكسر لما هاني فجأة مسك الورق تاني، وبص فيه بتركيز جديد… وكأن فيه حاجة لسه ماخدش باله منها.
وبعد ثواني… وشه اتغير تمامًا.
"في حاجة هنا… مش مظبوطة."
رفع عينه ليّا وقال بصوت واطي: "اسم الأم في شهادة الميلاد… مش اسمك."
وقتها بس…
الأرض تحت رجلي اتشقت.
ومش بس الفرح اللي اتقلب…
ده حتى الحقيقة اللي كنت متأكدة منها طول حياتي… بدأت تتفك قطعة قطعة قدامي…الهدوء اللي وقع بعد كلام هاني كان
أنا بصيت له وأنا مش قادرة أستوعب: "يعني إيه مش اسمي؟ دي بنتي أنا!"
حماتي اتقدمت خطوة تانية وقالت بنفس البرود: "بنتك؟ إنتِ حتى مش فاكرة ولادتها فين حصلت بالظبط… لأن الحقيقة أبسط من كده بكتير."
هاني بص لها بغضب: "كفاية لعب في دماغنا! لو عندك حاجة تقوليها قوليها مرة واحدة!"
سكتت لحظة… وبعدين قالت الجملة اللي كسرت كل اللي قبلها: "مريم مش أم الطفلة دي… مريم كانت مجرد بديل."
الدنيا دارت بيا تاني، ووقعت على الأرض وأنا بصرخ: "كفاااااااية! أنا فاكرة كل حاجة! أنا ولدت ليلى! أنا…"
لكن صوتي اتقطع لما الباب اتفتح فجأة من بره، ودخل دكتور مستشفى ومعاه ممرضة.
الدكتور أول ما شافني اتجمد: "أستاذة مريم… إنتِ خرجتي من المستشفى إزاي؟ لسه حالتك كانت حرجة بعد الولادة القيصرية!"
الصمت هنا كان أقسى من أي صدمة قبل كده.
هاني بصلي بذهول: "قيصرية؟ إنتِ ما قولتيليش إنك دخلتي عمليات!"
حماتي ابتسمت تاني وقالت: "طبعًا ما قالِتش… لأنها مش هي اللي ولدت الطفلة أصلاً."
الممرضة فتحت ملف صغير بإيدين بتترعش: "في سجل المستشفى… الأم الحقيقية للطفلة… متسجلة باسم تاني."
رفعت عينيها وقالت: "وشبه مريم… لكن مش هي."
هنا كل العيون اتجهت لحماتي.
هاني قرب منها وقال بصوت منخفض مرعب: "إنتِ عملتي إيه؟"
حماتي أخدت نفس عميق، وقالت الجملة الأخيرة اللي فتحت باب الحقيقة كله: "أنا أنقذت بنت ابني من أمها الحقيقية."
وسكتت…
بس قبل ما أي حد يستوعب…
الطفلة اللي في الشنطة بطلت عياط فجأة، وبصّت ناحيتي أنا بالذات… وكأنها عارفة حاجة محدش عارفها…
وفي اللحظة دي…
الممرضة همست بصوت مكسور: "في حاجة تانية في الملف… حاجة لو اتقالت… هتخلي الليلة دي
هاني سأل بسرعة: "إيه هي؟!"
وبصّت ليّ… وقالت: "تحاليل مريم… بتأكد إنها عمرها ما كانت قادرة تحمل من الأساس."الكلمة نزلت عليّا كأنها طوبة اتحدفت على دماغي.
"مش قادرة تحمل؟" همست بيها وأنا ببص للدكتورة مش مصدقة.
هاني رجع خطوة لورا، كأنه لأول مرة بيشوفني: "إنتِ بتقولي إيه؟ إحنا كنا بنتابع الحمل كل شهر!"
الدكتورة فتحت الملف بإيدين بتترعش: "المفروض… مفيش أي سجل طبي لحمل طبيعي. كل التحاليل اللي هنا بتشير إن مفيش حمل أساسًا."
حماتي رفعت راسها ببطء، وكأنها كانت مستنية اللحظة دي من زمان: "عشان كده قلتلكوا… الطفلة دي مش بنت مريم."
أنا حسيت إن رجلي مش شايلاني، وصرخت: "ده كذب! أنا كنت حاسة بيها! كنت بشوفها بتتحرك جوايا!"
لكن هاني كان بيبص في الفراغ، كأنه بيحاول يربط كل حاجة ببعض: "إزاي ده يحصل؟ أنا كنت معاها في كل زيارة…"
الدكتورة قاطعته بصوت منخفض: "في حاجة مش مفهومة… أو… في حد كان بيزوركم مش نفس الحقيقة."
السكوت وقع تاني، بس المرة دي كان مختلف… فيه خوف حقيقي.
وفجأة…
الطفلة في الشنطة بدأت تعيط تاني، بس العياط كان أعلى… وأوضح… وكأنها بتنده على حد.
وبشكل غريب، عينيها كانت مثبتة عليّا أنا بس.
حماتي قالت بهدوء: "هي عارفاكي… أكتر مما إنتِ فاكرة."
هاني مسك دماغه: "إنتِ عايزة توصلي لإيه؟ قولي الحقيقة كاملة!"
حماتي أخدت نفس طويل، وبصت له وقالت: "الحقيقة إن مريم ماكنتش أم… مريم كانت جزء من خطة."
سكتت لحظة… وبعدين كملت الجملة اللي خلت القاعة كلها تنهار:
"خطة بدأت من يوم ما دخلت العيلة دي… عشان طفل واحد… كان لازم يتاخد من أمه الحقيقية بأي تمن."
وفي اللحظة دي…
الطفلة مدّت إيديها الصغيرة في الهوا…
وكأنها بتختار… أو بتتهم… أو بتعرف بالظبط مين اللي بدأ كل ده من الأول…الكل اتجمد للحظة طويلة… مفيش صوت غير عياط الطفلة اللي بدأ يهدى تدريجيًا، كأنه بيستسلم.
هاني كان واقف بين أمه ومريم، عينه بتتنقل بينهم بذهول، لحد ما قال بصوت مكسور: "أنا مش فاهم حاجة… بس كفاية كده… كفاية!"
اقترب من الطفلة بحذر، ورفعها من الشنطة. أول ما حضنها، سكتت فورًا.
حماتي قالت بهدوء غريب: "شايف؟ هي اختارتك… عشان إنت الوحيد اللي لسه قلبه سليم."
مريم بصتلها بدموع ووجع: "إنتِ دمرتي حياتي… ليه؟"
سكتت وفاء لحظة طويلة، وبعدين قالت أخيرًا: "لأن الأم الحقيقية للطفلة دي… كانت بنتي التانية… اللي ماتت وهي بتولدها."
الصمت كان قاتل.
هاني رفع عينه ببطء: "يعني إيه؟"
وفاء دموعها نزلت لأول مرة: "بنتي ماتت في المستشفى… والدكاترة قالوا مفيش أمل للطفلة… فقررت أبدّلها… وأخليها تعيش وسط عيلة تانية… عشان ما أخسرهاش زي ما خسرت بنتي."
مريم همست بصدمة: "وانا؟ كنتِ فين من كل ده؟"
ردت: "إنتي كنتِ مجرد غطاء… بس الأيام خلتك أمها فعلًا… وده اللي أنا ما كنتش عايزاه."
هاني وقع على الأرض وهو ماسك الطفلة: "يعني بنتي… بنتنا… كانت لعبة في إيدك؟"
وفاء بصت له بحزن: "كانت محاولة يائسة لإني ما أدفنش كل حاجة لوحدي."
سكون طويل…
وبعدين مريم قربت من الطفلة، ودموعها نازلة: "هي دلوقتي بنتي… مش مهم الورق… المهم القلب."
هاني رفع عينه ليها… ولفظ لأول مرة قرار صعب: "هنربيها مع بعض… بعيد عن أي حد كان سبب في الوجع ده."
وفاء رجعت خطوة لورا، وابتسمت ابتسامة حزينة: "يمكن… ده الصح من الأول."
وخرجت من القاعة بهدوء، تاركة وراءها فرح انتهى قبل ما يبدأ… وحقيقة
والطفلة في حضنهم كانت بتبص لهم بهدوء… كأنها أخيرًا لقت مكانها الحقيقي.