بنتي مردتش عليا بقلم زيزي

لمحة نيوز

بنتي ما ردتش عليّا أسبوع كامل، فركبت عربيتي وروحت لها. جوزها قال لي إنها “مسافرة”. كنت هصدقه تقريبًا… لحد ما سمعت أنين مكتوم طالع من الجراج المقفول. لفّيت من ورا البيت، جرّبت باب جانبي، والصوت اللي طالع من أوضة الخرسانة الضلمة دي ما خوّفنيش بس… ده كسرني كأم بطريقة عمري ما هنساها.
الصوت اللي طالع من الجراج ماكانش صريخ… كان أسوأ—أنين مكسور، محبوس، النوع اللي الأم بتحس بيه في عضمها قبل ودانها.
سبع أيام كاملة، بنتي “مي” ما ردتش عليّا.
لا رسايل. لا مكالمات. ولا حتى صورها الهبلة للقهوة. ولا “بحبك يا ماما” اللي كانت بتبعتها نص الليل لما الأرق يمسك فيها.
فسوقت أربع ساعات في المطر لحد البيت الأبيض الصغير اللي عايشة فيه مع جوزها “محمود”.
فتح الباب وهو بيبتسم…
بسرعة زيادة عن اللزوم.
قال: “نادية، يا للمفاجأة.”
قلت له: “فين بنتي؟”
ابتسامته اتلخبطت شوية. “مسافرة.”
“مسافرة فين؟”
“حاجة كده للاسترخاء… إنتي عارفة مي، دايمًا مكبرة المواضيع.”
بصيت له. محمود دايمًا كان بيقول عليها درامية لما تعيط، حساسة لما تعترض، ومش فاهمة لما تكشف كدبه. كان لابس الشياكة زي البرفان… غالي وسام.
قلت: “ما قالتليش.”
قال: “كانت محتاجة تبعد… عن الكل.”
ساعتها أخته “دينا” ظهرت وراه، حافية، ولابسة كارديجان أزرق…
بتاع بنتي.
قالت لي بنعومة: “يا نادية، مش صح تيجي كده فجأة. ده تصرف مش صحي.”
بصيت على

الجاكيت، وبعدين على بُقها.
قلت: “اقلعيه.”
ضحكت: “نعم؟”
محمود قرّب وقال: “إنتي تعبانة. روحي قبل ما تحرجي نفسك.”
دي كانت النبرة… نبرة الرجالة اللي فاكرين إن الست الكبيرة بقت مالهاش لازمة.
سمعتها قبل كده في المحاكم لمدة 31 سنة… من كدابين لبسهم نضيف وإيديهم وسخة.
قلت: “أنا عايزة أشوف مي.”
قال بحدة: “مش هينفع. هي سابت البيت، وقالتلي ما أقولش لحد هي فين.”
قلت: “ورّيني الرسالة.”
قال: “مسحتها.”
قلت: “طبيعي.”
اختفت ابتسامته. “انزلي من على الباب.”
رجعت خطوة ورا، كأني أم مكسورة مستسلمة. دينا ابتسمت بسخرية.
بس وأنا رايحة نحية عربيتي… سمعته.
أنين مكتوم…
من الجراج المقفول.
إيدي اتجمدت على باب العربية.
وش محمود اتغير قبل ما يلحق يخبي… خوف، وبعده غضب.
قال: “مواسير قديمة.”
هزّيت راسي مرة واحدة.
ومشيت.
عند أول ناصية، ركنت تحت عمود نور بايظ، وطفيت النور، وفتحت برنامج تسجيل مخفي على موبايلي…
عشان محمود نسي حاجة واحدة.ركنت العربية بعيد شوية، وفضلت قاعدة جوّاها دقيقة… يمكن اتنين… بس قلبي كان بيدق كأنه هيكسر ضلوعي.
بصّيت على البيت من بعيد… هادي زيادة عن اللزوم.
مفيش نور في الجراج… بس الإحساس كان بيقول لي إن فيه روح محبوسة جوّه.
نزلت بهدوء، وقفلت باب العربية من غير صوت، ولفّيت من الناحية التانية للبيت.
رجلي كانت بتغرز في الطين، والهوا كان تقيل… بس الصوت رجع تاني.
أنين…
أضعف من
الأول… كأن اللي جوّه بيستسلم.
قربت من باب الجراج الجانبي… كان مقفول بسلسلة.
مسكتها بإيدي… باردة… تقيلة.
حاولت أهزها بهدوء… لقيتها مش محكمة قوي.
وفي اللحظة دي…
سمعت صوت جوا البيت.
باب بيتفتح.
اتجمدت مكاني.
صوت محمود وهو بيقول بعصبية:
“إنتي متأكدة إنها مشيت؟”
دينا ردت بصوت واطي:
“أيوه… بس أنا مش مرتاحة.”
“سيبيك منها… الست دي كبرت وخرفت.”
سكتوا لحظة…
وبعدين محمود قال بجملة خلّت الدم يتجمد في عروقي:
“المهم اللي جوّه ما يعملش صوت تاني.”
حطّيت إيدي على بقي عشان ما أصرخش.
رجعت خطوة لورا… بس رجلي خبطت في حاجة حديد.
صوت خفيف… بس في السكون كان عالي كفاية.
سكون…
بعدين صوت خطوات… جاية نحية الجراج.
قلبي وقف.
جريت بسرعة ورا الشجرة الكبيرة اللي جنب السور، واستخبيت وراها، وأنا بحاول أتنفس من غير صوت.
باب الجراج اتفتح نص فتحة…
نور خفيف خرج.
وشفت محمود…
واقف… بيبص حواليه.
ثواني عدّت كأنها عمر.
بعدين قفل الباب تاني، ورجع جوّه.
استنيت… دقيقة… اتنين… خمسة.
لحد ما اتأكدت إنهم دخلوا.
رجعت تاني لباب الجراج…
إيدي كانت بتترعش، بس المرة دي ما وقفتش.
مسكت السلسلة بكل قوتي… ولفّيتها…
ومرة واحدة…
اتفكت.
فتحت الباب بالراحة…
والضلمة بلعتني.
ريحة رطوبة… ودم.
نزلت درجة… وراها درجة…
والأنين بقى أوضح.
“م…اما…”
الصوت ده…
كسّرني.
“مي؟!” همست وأنا بجري لجوه.
بس قبل ما أوصل…
النور ولع فجأة ورايا.

وصوت محمود جه من ورا ضهري… هادي بطريقة مرعبة:
“كنتي هتدخلي لوحدك؟”
لفّيت ببطء…
ولقيته واقف… ومعاه دينا…
وفي إيده حاجة لمعت في النور.
وقال بابتسامة باردة:
“غلطتي إنك رجعتي.”جسمي اتجمد… بس عقلي لأ.
أنا مش الست اللي تتفاجئ وتقف.
ببطء… رفعت إيدي قدامه، والموبايل باين فيها.
قلت بهدوء غريب حتى عليّا:
“غلطتك إنت… إنك اتأخرت.”
محمود ضيّق عينه:
“تقصدِي إيه؟”
دوست زرار بصباعي… وصوتُه هو اتملّى في المكان:
“المهم اللي جوّه ما يعملش صوت تاني.”
الصمت وقع تقيل.
دينا بصّت له بخوف:
“محمود…”
ابتسمت وأنا ببص له:
“التسجيل اتبعت خلاص.”
كذبت… بس كنت محتاجة اللحظة دي.
وشه اتشد، واندفع ناحيتي بسرعة… بس أنا كنت أسرع.
زقّيت الباب وخرجت أجري وأنا بصرخ بكل قوتي:
“الحقووووني! بنتي جوه!”
صوتي شقّ السكون.
نور بيوت بدأ يفتح… شبابيك اتفتحت… وكلب نبح.
محمود شدني من دراعي قبل ما أبعد، بس كنت خلاص عملت اللي عايزاه.
ناس بدأت تتجمع.
“في إيه؟!”
“مين دي؟!”
“إيه الصوت ده؟!”
صرخت وأنا بشاور على الجراج:
“بنتي محبوسة جوه!”
دينا حاولت تلم الموضوع:
“دي ست مجنونة—”
لكن في نفس اللحظة…
الأنين طلع تاني…
أوضح.
الكل سكت.
واحد من الجيران قرّب وقال بحدة:
“افتح الباب ده حالًا!”
محمود حاول يضحك:
“يا جماعة مفيش حاجة—”
الراجل زقّه بعنف:
“افتح!”
وفي أقل من دقيقة… كان الباب بيتفتح غصب عنه.
النور دخل الجراج…
واللحظة
دي…
هتفضل محفورة جوايا لآخر عمري.
مي…
بنتي…
مربوطة على كرسي.
وشها أصفر… شفايفها ناشفة… عينيها نص مقفولة.
بس أول ما شافتني…
دموعها نزلت.
“ماما…”

تم نسخ الرابط