سمعت ان عندكم بنت
— أنا حسن…
وفي اللحظة دي… القفص الحديد حسّ إنه أضيق من أي سجن في الدنيا.دنيا ما اتحركتش. الاسم وقع عليها كأنه حجر تقيل.
— حسن…؟
همستها كانت ضعيفة، كأنها بتجرب الصوت في ودانها قبل ما تصدقه.
المحامي الشاب قرب خطوة تانية، بس المرة دي من غير أي ثبات، كأن رجليه مش واثقة.
— أيوه… حسن.
سكت لحظة، وبصّ في الأرض، وبعدين رفع عينه تاني ليها: — أنا مش مصدق إني لقيتك… بعد كل السنين دي.
دنيا ضحكت ضحكة قصيرة، مش فرح، كانت أقرب لصدمة: — لقيتني؟… إنت محامي… وأنا في قفص اتهام… وبتقول لقيتني؟
صوته هدى أكتر: — أنا جيت البلد دي من سنة… بدوّر على بنت اتخطفت وهي صغيرة… اسمها دنيا… كانت أختي.
الكلمة الأخيرة خبطت في قلبها.
إيدها سابت الحديد، وراحت خطوة لورا: — أختك؟
حسن هزّ راسه: — أيوه… كنت فاكر إني فقدتك للأبد.
دنيا عينيها دمعت، بس الصوت جواها اتلخبط: — بس أنا… كنت فاكرة إنك انت اللي ضعت مني…
اللحظة دي سكتوا الاتنين.
صوت القاضي من بره القاعة نادى: — الجلسة مستأنفة!
حسن اتنفس بعمق، ورجع لهيئته كمحامي بسرعة، كأن الدماغ أجبرته يكمّل دوره: — اسمعيني… متتكلميش دلوقتي.
بصّ لها نظرة سريعة فيها حاجة بين الرجاء والخوف: — أنا هشيلك من هنا… بس سيبيني أخلص الليلة دي.
رجع لمكانه قدام القاضي، وصوته اتغير تمامًا وهو بيرفع أوراقه: — حضرة القاضي، عندي طلب عاجل بإخلاء سبيل المتهمة لحين استكمال التحقيق، لعدم كفاية الأدلة…
دنيا كانت واقفة جوه القفص، بتبص له، مش عارفة هي في حلم ولا حقيقة.
كل كلمة بيقولها في المحكمة، كانت بالنسبة لها صوت أخوها اللي كان ماسك إيديها زمان… ورجع يمد إيده تاني، بس المرة دي من ورا الحديد.القاضي راجع الأوراق، والقاعة كلها مستنية كلمة واحدة تقلب الموقف.
حسن واقف ثابت، بس عينه كل ثانية بتروح ناحيتها من غير ما يحس.
— النيابة… عندها أي أدلة إضافية؟
النيابة هزّت راسها بالنفي.
ثواني تقيلة عدّت، وبعدين وقع القرار:
— يُخلى سبيل المتهمة لحين انتهاء التحقيق.
دنيا ما استوعبتش في الأول. كأن الكلمة عدّت من جنبها من غير ما تدخل عقلها.
لحد ما سمعت صوت المفتاح.
باب القفص اتفتح.
وقتها رجليها خذلتها.
حسن اتحرك بسرعة قبل ما تقع، مسكها من إيديها، أول لمسة بينهم بعد سنين.
سكتوا.
مش محتاجين كلام.
دنيا بصّت له وهي
هزّ راسه وهو ماسك إيديها: — أنا رجعت عشانك… واتأخرت أوي.
دموعها نزلت من غير مقاومة: — أنا كنت فاكرة إني لوحدي… طول الوقت.
قرب خطوة، وصوته اتكسر لأول مرة: — مش لوحدك دلوقتي.
في اللحظة دي، صوت الضابط قطع المشهد: — المطلوب إنهاء الإجراءات.
حسن مسح على وشه بسرعة، ورجع بصلابته، لكن إيده لسه ماسكة إيديها: — استنيني بره… مش هسيبك تمشي لوحدك تاني.
دنيا خرجت من القاعة، الشمس أول مرة تضرب وشها بعد أيام، بس إحساسها مش طبيعي… كأنها خارجة من حياة لحياة.
واقف على الباب، حسن بيدور على حاجة في جيبه، وبعدين طلع ورقة قديمة مهترية.
مدّها لها: — دي آخر حاجة كانت معايا يوم ما اتفقدنا… كنت بحافظ عليها.
دنيا بصّت… لقت رسمة صغيرة لطفل وطفلة ماسكين إيد بعض.
رفعت عينيها له: — يعني فعلاً…
قاطعها بهدوء: — أيوه… أنا أخوك.
سكت لحظة، وبعدين قال: — بس لسه في حاجة أهم…
بصّ ناحيتها نظرة طويلة: — لازم نعرف مين اللي فرّقنا… وليه.دنيا سكتت وهي ماسكة الورقة، كأنها أول دليل حقيقي يثبت إن حياتها اللي ضاعت ليها بداية تانية.
حسن قفل الورقة في إيده وقال
دنيا بصّت له بخوف وفضول: — بيت مين؟
— بيت نعيمة.
الاسم وقع تقيل، بس المرة دي مش عليها لوحدها… على الحقيقة كلها.
حسن كمل: — أنا اكتشفت إن يوم ما اتوهتي، ماكانش صدفة… كان في حد قرر يبعدك عن أهلك الحقيقيين.
دنيا رجعت خطوة لورا، عقلها بيربط كل حاجة: — يعني أنا… مش بنتهم؟
هزّ راسه: — إنتِ ليكي أهل تانيين… وهنوصلهم.
سكت لحظة وبعدين مد إيده لها: — بس القرار ليكي… نفتح الماضي ونقفله صح، ولا نفضل عايشين بنص حياة.
دنيا بصّت لإيده… وبعدين لعينه.
أول مرة من سنين، ماكانش فيها خوف… كان فيها طريق.
حطت إيديها في إيده.
— نكمل.
بعد شهور، باب كبير اتفتح في بيت قديم.
ست كبيرة وقفت، عينيها وقعت على دنيا… وجسمها كله اتجمد.
وبعدين قالت بصوت مكسور: — دنيا…؟
ودنيا وقفت مكانها، مش فاكرة، بس قلبها عرف.
حسن وقف جنبها وقال بهدوء: — دي أمك الحقيقية.
اللحظة كانت تقيلة، بس مفيهاش ألم… فيها رجوع.
دنيا خطت خطوة للأمام، وبعدين خطوة تانية.
وأول مرة في حياتها، قالت بصوت واضح:
—
وحسن ابتسم… لأنه أخيرًا لقى أخته… وهي لقت نفسها.