ابني مات بقلم زيزي

لمحة نيوز

ابني مات، وزوجة ابني خدت البيت اللي قيمته 4 مليون دولار وقالتلي روحي موتي في الجبل يا ست عديمة الفايدة بس الليلة اللي الأرض الخشب اتكسرت تحت رجلي، لقيت حاجة ابني كان مخبيها.
لسه ما دفنّاش جثمان حسام كويس في التراب، كانت نادية ماسكة في دراعي وراجعة بيا لفيلا رخام، أنا كنت بنضفها من 13 سنة، وكأن الحزن نفسه حاجة وسخة أنا دخلت بيها المكان.
قالتلي بطّلي تبصي كده، وهي بتمد إيدها على مفاتيح البيت. البيت ده بقى بتاعي دلوقتي.
أنا كنت لسه لابسة فستان سودة بتاع العزا. الشراب مبلول من تراب المقابر. إيدي بترتعش من ساعة ما نزلت ابني الوحيد للقبر. ريحة الورد كانت لسه في هدومي. قبل ما الألم يثبت في صدري، هي خدت بيتي، وكرامتي، وآخر مكان كان صوت ابني لسه عايش فيه.
اسمي فاطمة. عندي 68 سنة. سنين طويلة كنت عايشة في البيت ده كأني بصلّي بالصبر. بصحى قبل الفجر أعمل القهوة زي ما هي بتحبها، مع إنها عمرها ما قالت شكر. أنضف المطبخ لحد ما أشوف وشي في الرخام. أكوي قمصان حسام، وألمّع الفضة لحفلاتها، وأرتب الورد للضيوف اللي كانوا بيعدّوني كأني قطعة أثاث. كنت ساكتة على الإهانات والنظرات الباردة، وكأني مش موجودة. كنت بقول لنفسي طول ما ابني موجود، أستحمل.
بس كنت غلطانة.
حسام كان طيب زيادة عن اللزوم. بيكره الخناقات لدرجة إنه كان بيسيبها تكبر قدامه. لما نادية كانت بتصححلي طريقة طي الفوط، كان يضحك ويغير الموضوع. لما كانت بتشيل صورة أبويا الله يرحمه من الصالة وتحطها في دولاب الممر عشان شكلها، كان يقول متاخديش على قلبك. ولما كانت تقول للناس إني مش من العيلة، كان يسكت ويبص في الأرض.

هو كان بيحبني بس حب من غير موقف.
يوم ما مات، نادية ورثت البيت كله الأثاث، الفضة، الدولاب، حتى القبو. وكأن البيت كله قلبه اتحرك ناحيتها.
أما أنا؟
ادتني شنطتين قديمات، دوايا، وكيس سودة فيه هدوم مش بتاعتي، وأوراق لكوخ في الجبل بعيد.
وقالتلي مفيش كهربا ولا مية بس إنتي كنتي دايمًا بتقولي بتحبي الهدوء. اعتبريها نعمة.
طلبت منها حاجة واحدة بس صورة لحسام وهو صغير ماسك سمكة كبيرة. كانت على رف الصالة. أول ما مدّيت إيدي، وقفت قدامي.
وقالت كل حاجة في البيت ده بقت بتاعتي.
قالتها بهدوء يخوف كأنها مستنية اليوم ده من زمان.
وبعدها فتحت الباب وقالت امشي. كنتي عايزة تبقي أمه روحي اعيطي عليه بعيد.
بره، الهوا كان بيصفر كأنه تهديد.
طريق الكوخ كان وحل وظلمة. كل خطوة كنت بغرز فيها. ولما وصلت، البيت كان شبه قبر مكسور. مفيش حياة.
قعدت على الأرض ومقدرتش أتنفس.
صورة حسام كانت في الكيس. حضنتها وعيطت لحد ما الدموع خلصت. وبعدين الألم اتحول لشيء تاني غضب.
لأني مش بس خسرت ابني أنا كمان اتسابلي مع الست اللي كانت بتكرهني.
كنت عايزة أحرق صورته بس ماقدرتش.
تاني يوم بدأت أنضف الكوخ كأني بقاوم الدنيا.
وفي الركن، لقيت حاجة غريبة مكان صغير مقفول تحت الأرض. فتحته، وساعتها حسيت إن حسام كان سايبلي رسالة من قبل ما يموت.
جواه صندوق معدن قديم، ومفتاح مربوط بشريط أحمر، ومظروف مكتوب عليه اسمي بخط ابني.
وكل اللي في الرسالة كان بيبدأ بجملة
يا أمي، لو نادية قالتلك إني سيبتلكش حاجة لازم تعرفي إنيا أمي، لو نادية قالتلك إني سيبتلكش حاجة لازم تعرفي إن
الكلام وقف عند السطر ده كأنه مقصود يتعمد يسيب
قلبي معلق.
إيدي كانت بتترعش وأنا مكملة فتح الورق. الورقة كانت متنية بعناية، وحسام كاتب كأنه مستعجل وكأنه كان حاسس إن الوقت بيجري ضده.
البيت اللي إنتي فيه مش آمن نادية مش زي ما إنتي فاكرة.
وقفت فجأة.
نادية؟
قلبي دق بسرعة غريبة، كأني لسه في العزا. دماغي رفضت تصدق. أنا طول عمري شايفة نادية ست باردة آه. قاسية آه. بس مش لدرجة دي.
كملت القراءة وإيدي بتعرق
لو أنا مش موجود، إوعي تثقي فيها. في حاجة مخبية في البيت الكبير ودي هتغير كل حاجة. المفتاح اللي تحت الأرض يفتح مش بس صندوق يفتح حقيقة.
سكت.
رفعت عيني لباب الكوخ كأني متوقعة حد يدخل عليا دلوقتي.
الهواء في المكان اتغير بقى تقيل.
رجعت بصيت للصندوق الحديد.
المفتاح اللي جواه مربوط بشريط أحمر باهت نفس اللون اللي حسام كان بيحبه وهو صغير.
فتحته بإيدي المرتعشة.
الصندوق ماكانش كبير بس تقيل بشكل يخوف. أول ما فتحته، لقيت ملف أوراق وعليه ختم شركة مشهورة، وأسماء حسابات بنوك.
وبين الورق صورة.
اتجمدت.
حسام واقف جنب نادية.
بس مش واقفين زي زوجين عاديين.
كانوا واقفين قدام محامٍ، وبيمضوا على ورق تاريخها قبل ما يموت بشهرين.
قلبت الورق بسرعة.
وصدمت.
ده مش ميراث بيت بس
ده تنازل كامل عن أصول وأموال باسم نادية باسمها هي لوحدها.
يعني حسام كان بايع كل حاجة أو حد خلاه يبيع.
وفجأة لقيت ورقة تانية مكتوب فيها بخط مهتز
في حالة وفاتي، أي تغيير في الملكية بعد التاريخ ده يعتبر باطل إلا لو تم بإكراه أو تهديد.
إكراه؟
رفعت راسي فجأة.
الصوت الوحيد في الكوخ كان صوت نفسي.
وفجأة
سمعت حاجة.
خشخشة برة الباب.
مش ريح.
خطوات.
قربت.
وقفت.
وبصوت
واطي جدًا حد نطق اسمي
يا فاطمة
اتجمد الدم في عروقي.
الصوت ده أعرفه.
نادية اتسمرت مكاني، والورقة اللي في إيدي اتكرمشت من قوة قبضتي عليها.
يا فاطمة
الصوت كان قريب قريب زيادة عن اللزوم كأنه واقف قدام الباب بالظبط.
بس أنا ما اتحركتش.
الكوخ كله كان ساكت حتى الخشب اللي بيئن عادة تحت رجلي سكت كأنه بيحبس نفسه معايا.
افتحي يا فاطمة أنا عارفة إنك جوا.
نادية.
نفس النبرة الباردة بس المرة دي فيها حاجة مختلفة. حاجة شبه استعجال. أو خوف.
بصيت على الصندوق الحديد بسرعة، وبعدين على الورق اللي في إيدي. دماغي كانت بتشتغل بسرعة مرعبة
لو حسام كتب إن نادية مش آمنة يبقى ليه هي دلوقتي برة بابي؟
خبطت خفة على الباب.
إنتي لوحدك؟ صوتي خرج مبحوح.
سكتت ثانيتين وبعدين ردت افتحي بس وهتفهمي كل حاجة.
قلبي كان بيخبط كأنه هيكسر صدري. بس رجلي اتحركت غصب عني.
قربت من الباب ويدي على المقبض.
لحظة صمت تانية.
وبعدين فتحته.
نادية كانت واقفة فعلاً.
بس مش زي ما كنت متخيلة.
وشها كان شاحب عينها مش ثابتة وإيدها ماسكة شنطة صغيرة جلد.
أول ما شافت الصندوق المفتوح جوا، اتغير وشها تمامًا.
إنتي فتحتيه
جملتها ماكانتش سؤال.
كانت صدمة.
رجعت خطوة لورا.
هو قالك؟ همست وهي بتبص على الورق اللي في إيدي.
حسام؟ نطقتها وأنا مش مصدقة نفسي. هو مات إيه اللي قاله؟
ضحكت ضحكة قصيرة بس مفيهاش أي فرح.
مات آه بس ساب كل حاجة متجهزة.
بصيت لها وأنا ببلع ريقي إنتي كنتي عارفة؟ كنتي مشاركة؟
سكتت.
وبعدين قالت أخطر جملة سمعتها في حياتي
أنا اللي حاولت أنقذه يا فاطمة مش أوقعه.
الدنيا لفت بيا.
تنقذيه من إيه؟
قبل ما ترد رفعت الشنطة
الجلد اللي معاها، وفتحتها بهدوء.
جواها كان فيه أوراق تانية وختم مختلف وأسماء حسابات أكبر بكتير من اللي
تم نسخ الرابط