المليونير كان متوقع

لمحة نيوز

المكلياردير كان متوقع إن ضيوف بنته اللي على كرسي متحرك هيتجاهلوها في الحفلة لحد ما طفل عنده 9 سنين عدّى وسط قاعة الرقص، مسك إيدها، وقال بهدوء أختي كمان مش بتعرف تمشي ممكن ترقصي معايا؟
الحفلة كان شكلها مثالي من برّه
قاعة الرقص في فندق هارينجتون كراون كانت منورة بالثريات الضخمة، والمزيكا الهادية مالية المكان، وكل الناس الأغنياء بيتحركوا بثقة وكأنهم في فيلم. الكاميرات بتلقط الضحكات، والكلام كله مغلف بالمجاملات والشياكة.
محمد الجارحي كان واقف في آخر القاعة، ماسك كوباية مية غازية من غير حتى ما يشرب منها. عينه ماكنتش على رجال الأعمال ولا المشاهير اللي حواليه عينه كانت كل شوية تروح ناحية بنته.
مريم الجارحي.
كانت قاعدة بهدوء جنب ساحة الرقص على كرسيها المتحرك، لابسة فستان أزرق جميل لايق جدًا على جو الحفلة. من بعيد كانت باينة هادية ومتماسكة لكن محمد كان شايف الحزن المستخبي ورا ابتسامتها الصغيرة.
قبل الحادث، مريم كانت بتحب الرقص أكتر من أي حاجة في الدنيا. كانت تلف في البيت وهي حافية، والمزيكا شغالة، وتشد أبوها يرقص معاها أول ما يرجع من الشغل حتى لو تعبان.
بس بعد الحادث اللي خلاها ماتقدرش تمشي بطلت تتكلم عن الرقص خالص.
محمد قضى سنين يحاول يعوضها عن اللي خسرته. جاب أكبر الدكاترة، وأحدث أجهزة العلاج، وحتى غير تصميم البيت كله عشان ترتاح.
بس رغم كل فلوسه عمره ما قدر يرجّع النظرة اللي كانت في عينيها زمان كل ما تسمع مزيكا.
والليلة دي كانت محاولته الأخيرة عشان يخليها تحس إنها طبيعية وسط الناس من جديد لكن كل ما الوقت كان بيعدّي محمد كان بيحس إن فكرته

فشلت.
الناس بترقص، وتضحك، وتتصور ومريم قاعدة مكانها، بتسقف بابتسامة مجاملة لأي حد يعدّي عليها ثانيتين ويمشي.
ولا حد طلب يرقص معاها.
ولا حتى حاول.
محمد حس بغصة في قلبه، وبص بعيد عشان بنته ما تلاحظش الوجع اللي في عينه.
كان عارف إن مريم مابتقولش بس أكتر حاجة كانت بتكسرها إنها تحس إنها عبء أو مختلفة.
وفجأة
المزيكا هديت شوية لما باب القاعة اتفتح.
دخلت ست بسيطة ماسكة إيد طفل صغير، شكله مايناسبش المكان أبدًا. هدومه عادية جدًا، وحذاؤه قديم شوية، لكن عينيه كانوا ثابتين بطريقة غريبة.
الناس بصت لهم باستغراب.
واحد من المنظمين قرب بسرعة كأنه هيوقفهم، لكن الست همستله بحاجة خلت ملامحه تتغير ويسمح لهم يدخلوا.
محمد عقد حاجبيه.
مين دول؟
الولد ساب إيد الست فجأة وبدأ يمشي وسط القاعة مباشرة ناحية مريم.
خطوة ورا خطوة
والناس كلها بقت تتابعه بعينيها.
لحد ما وقف قدامها بالظبط.
مريم رفعت عينيها له باستغراب، والولد فضل ساكت ثواني كأنه بيجمع شجاعته.
وبعدين قال بهدوء
هو انتي بتحبي الرقص؟
السؤال نزل على مريم كأنه رجّعها سنين لورا.
بلعت ريقها وردت بابتسامة باهتة
كنت بحبه زمان.
الولد بص على الكرسي المتحرك وبعدين رجع بص لها تاني وقال
أختي كمان كانت بتقول كده.
محمد حس قلبه اتقبض من الجملة.
الولد مد إيده الصغيرة ناحيتها وقال
بس أنا كنت برقص معاها عادي ممكن ترقصي معايا؟
القاعة كلها سكتت.
حتى الفرقة الموسيقية وقفت بالتدريج.
ومريم فضلت باصة لإيده مترددة وعينيها بدأت تلمع بالدموع.
لكن قبل ما ترد
صوت عالي قطع اللحظة كلها فجأة
آدم! انت بتعمل إيه هنا؟!
ومحمد لف بسرعة ناحية
الصوت أول ما شاف الشخص اللي واقف عند باب القاعة، وشه اتغير تمامًا.
لأنه كان حد يعرفه كويس جدًا
وآخر شخص كان يتوقع يشوفه الليلة دي.
يتبعالقاعة كلها بصّت ناحية الصوت.
راجل في أواخر التلاتينات، لابس بدلة سوداء بسيطة، كان واقف عند الباب وملامحه متوترة بشكل واضح. عينيه متعلقة بالطفل كأنه خايف منه وعليه في نفس الوقت.
الولد الصغير لف ببطء، وقال بخفوت
بابا
محمد الجارحي حس إن الاسم ضرب حاجة قديمة جواه.
الراجل قرب بسرعة، ومسك كتف ابنه بخفة وهو بيقول بإحراج
أنا آسف يا فندم ابني دخل من غير إذن. كنا المفروض نمشي.
لكن قبل ما يتحركوا، مريم اتكلمت لأول مرة بصوت واضح
استنى.
الكل سكت.
مريم كانت لسه باصة للولد لإيده الممدودة ليها.
وقالت بهدوء متردد
اسمك إيه؟
الولد ابتسم ابتسامة صغيرة
آدم.
وأختك اسمها إيه؟
الابتسامة اختفت من على وشه فجأة، لكنه رد
ليلى.
محمد لاحظ إن الراجل وطّى عينه بسرعة، كأن السؤال وجعه.
آدم رجع بص لمريم وقال
هي كانت بتحب الرقص أوي أكتر مني كمان.
الكلمة كانت خلت القاعة كلها تبرد فجأة.
مريم همست من غير ما تحس
كانت؟
الولد سكت.
لكن أبوه قال بصوت مبحوح
ليلى ماتت السنة اللي فاتت.
محمد حس قلبه اتقبض.
أما مريم، ففضلت باصة للولد وكأنها شايفة وجعها جواه.
آدم بلع ريقه، وبص للكرسي المتحرك بتاعها وقال
قبل ما تموت كانت دايمًا تقول إن أكتر حاجة بتوجع مش إنك ماتعرفش تمشي.
سكت لحظة.
أكتر حاجة بتوجع إن الناس تبطل تشوفك.
الكلام نزل على المكان كالصمت.
محمد حس إن نفسه اتسحب منه.
لأنه فجأة أدرك إن بنته طول السنين دي كانت حاسة بنفس الحاجة.
مريم بدأت دموعها
تنزل بصمت.
وآدم قرب خطوة صغيرة ومد إيده تاني
عشان كده كنت عايز أرقص معاكي.
إيد مريم اتحركت ببطء شديد
لكن قبل ما تلمس إيده بلحظة
واحدة من السيدات الموجودين في الحفل شهقت فجأة وهي باصة على الراجل اللي واقف عند الباب.
وقالت بصدمة
مستحيل إنت الدكتور سامح؟!
محمد رفع عينه بسرعة.
والاسم وقع عليه كالصاعقة.
الدكتور سامح
نفس الجراح اللي اختفى بعد حادث مريم من 8 سنين
وماحدش عرف عنه أي حاجة بعدها.
يتبعمحمد حس الدم جمد في عروقه.
ثبت عينه على الراجل، وقرب منه خطوة بطيئة وهو مش مصدق اللي سامعه.
إنت سامح النبوي؟
الراجل سكت ثواني، وبعدها نزل عينه للأرض وقال بهدوء متعب
أيوه.
في لحظة، كل الذكريات رجعت لمحمد دفعة واحدة
ليلة الحادث.
صوت فرامل العربية.
صراخ مريم.
والمستشفى اللي دخلها وهو فاكر إن بنته هتموت بين إيديه.
الدكتور سامح وقتها كان الجراح المسؤول عن عمليتها وبعدها بأيام اختفى فجأة من البلد كلها، من غير تفسير.
محمد كان فاكر طول السنين دي إن الراجل هرب بسبب خطأ طبي.
وعمره ما سامحه.
القاعة بقت ساكتة تمامًا، والكل متابع التوتر اللي مالي المكان.
محمد قرب أكتر وقال بحدة
إنت عندك جرأة تظهر قدامي بعد اللي حصل لبنتي؟
آدم بص بين أبوه ومحمد بخوف، ومريم همست
بابا
لكن محمد ماكنش سامع حد.
سامح أخد نفس طويل، وكأنه شايل حمل سنين فوق صدره، وقال
أنا ما هربتش يا محمد بيه أنا اتطردت.
محمد عقد حاجبيه.
إيه؟
سامح بص لمريم للحظة، وبعدين قال
يوم العملية حصلت مشكلة في الأجهزة. المستشفى حاولت تخبي الموضوع وتحملني المسؤولية بالكامل.
الناس بدأت تهمس.
وسامح كمل بصوت مكسور
لو
الأجهزة كانت شغالة صح كان في فرصة كبيرة إن مريم تمشي تاني.
الجملة وقعت كأنها ضربة في قلب محمد.
مريم شهقت بخفة،
تم نسخ الرابط