البنت الصغيرة بقلم زيزي

لمحة نيوز

البنت الصغيرة اللي مشت في عز البرد لحد قسم الشرطة وهي حاضنة أخوها الرضيع… محدش كان يعرف أمها قالتلها إيه قبل ما تخرج من البيت.

الساعة كانت داخلة على عشرة بالليل… والبرد في شوارع الحي كان يقطع العضم.

باب قسم الشرطة اتفتح بهدوء… ودخلت منه بنت صغيرة جدًا.

حافية.

رجليها محمرّين من السقعة… وشعرها الأسود منكوش حوالين وشها الصغير، وجاكيت وردي قديم متقفل بالعافية كأنها لبسته وهي بتجري.

لكن أكتر حاجة شدت انتباه الظابط "كريم"… إن كان في طفل رضيع مربوط على صدرها في حاملة أطفال قماش.

البنت كانت ضاماه بإيد صغيرة مرتعشة… كأنها خايفة لو سابته لحظة الدنيا كلها تقع منها.

الظابط كريم قام بسرعة من على مكتبه.

ـ "يا حبيبتي… إنتِ كويسة؟"

البنت بصّتله بخوف… وبعدين بصت وراها ناحية باب القسم كأنها متأكدة إن محدش جاي وراها.

وبصوت مهزوز قالت:

ـ "أنا… أنا جبت أخويا لوحدي."

القسم كله سكت.

أمينة الشرطة اللي ورا المكتب بطلت كتابة… وحتى صوت المراوح بقى مسموع.

الظابط قرب منها بهدوء ونزل لمستوى طولها.

ـ "اسمك إيه يا حبيبتي؟"

ـ "ليلى."

ـ "ليلى إيه؟"

ـ "ليلى محمود."

عين كريم نزلت على الطفل الصغير اللي نايم على صدرها.

الرضيع كان ملفوف ببطانية زرقا خفيفة… ووشه صغير أوي لدرجة إنه باين وسط القماش بالعافية.

ـ "وده أخوكي؟"

ليلى هزت راسها بسرعة وضمت الطفل

أكتر.

ـ "اسمه ياسين… عنده شهر ونص بس."

ـ "فين مامتك يا ليلى؟"

أول ما سأل السؤال ده… شفايف البنت اترعشت.

وبدأت دموعها تنزل واحدة واحدة.

ـ "ماما قالتلي آخده وأجري."

الظابط كريم حس قلبه وقع.

ـ "قالتلك إيه بالظبط؟"

ليلى بصت في الأرض وهي بتحاول تفتكر.

ـ "قالتلي… لو بابا رجع وهو متعصب… آخد ياسين وأروح عند الناس اللي لابسين ميري… وقالتلي هما هيحمونا."

الظابط سكت لحظة.

وبعدين سأل بهدوء أخطر سؤال:

ـ "بابا عمل إيه يا ليلى؟"

البنت بلعت ريقها… وبصوت صغير جدًا قالت:

ـ "كان بيزعق جامد… وكسر الطبق على الحيطة… وماما كانت بتعيط."

إيد كريم اتقبضت تلقائي.

لكن اللي خلّى الدم يتجمد في عروقه فعلًا… إن ليلى كملت وهي بترتعش:

ـ "وقبل ما أمشي… سمعت ماما تقفل باب المطبخ بالمفتاح."الظابط كريم قام واقف بسرعة.

ـ "ليلى… مامتك كانت جوه المطبخ؟"

البنت هزت راسها ببطء.

ـ "أيوه… وكانت بتعيط جامد."

ـ "وبابا كان فين؟"

ليلى  ياسين أكتر لدرجة إن الطفل اتحرك وهو نايم.

ـ "كان بيخبط على الباب… وبيزعق."

القسم كله اتحول لحالة طوارئ في ثواني.

كريم لف ناحية العسكري:

ـ "هاتلي دورية حالًا… والعنوان بسرعة!"

ليلى قالت العنوان وهي بتشهق من العياط.

وأول ما سمعه كريم… قلبه دق بعنف.

المنطقة دي كانت معروفة إن البلاغات فيها كتير… خصوصًا بيت "محمود السيوفي"

.

الاسم ماكانش غريب عليه.

اتبلغ عنه قبل كده أكتر من مرة بسبب الخناقات والعنف… لكن مراته كل مرة كانت ترفض تعمل محضر.

كريم بص للبنت الصغيرة قدامه… وحس بحاجة بتكسره من جواه.

طفلة عندها سبع سنين… ماشية نص ساعة في عز البرد وهي شايلة طفل رضيع… بس عشان تنقذه.

وفجأة…

صوت جهاز اللاسلكي قطع الصمت:

ـ "يا فندم… الدورية وصلت البيت."

كريم مسك الجهاز بسرعة.

ـ "الوضع إيه؟"

ثانيتين صمت…

وبعدين الصوت جه متوتر:

ـ "الباب مفتوح يا باشا."

كريم حس معدته اتقبضت.

ـ "والأب؟"

ـ "مش موجود."

ليلى أول ما سمعت الجملة دي… وشها شحب فجأة.

وبصوت مرعوب قالت:

ـ "هو راح يدور علينا…"

الظابط كريم بص لها بسرعة.

ـ "ليه بتقولي كده؟"

البنت بدأت ترتعش.

ـ "عشان لما ماما خبّتني قبل كده… بابا قال إنه هيجيبنا حتى لو استخبينا آخر الدنيا."

في اللحظة دي…

العسكري اللي واقف جنب الباب بص برا فجأة وقال بصوت عالي:

ـ "يا باشا… في راجل واقف قدام القسم!"

كريم لف بسرعة ناحية الزجاج الأمامي…

وشاف راجل طويل واقف تحت نور الشارع.

هدومه متبهدلة… ووشه كله غضب.

وكان بيبص مباشرة على ليلى.ليلى أول ما شافته… شهقت بخضة وضمّت ياسين لصدرها بكل قوتها.

ـ "بابا…"

صوتها كان مرعوب لدرجة خلت كل اللي في القسم يتوتر.

الراجل كان واقف برا تحت نور العمود… نفسه طالع بعنف، وعينه ثابتة على

بنته كأنه مش شايف غيرها.

الظابط كريم اتحرك فورًا ووقف قدام ليلى.

ـ "خديها جوه الأوضة دي بسرعة."

أمينة الشرطة مسكت إيد ليلى بهدوء، لكن البنت كانت متشبثة في مكانها.

ـ "ماما لسه هناك… بالله عليكوا هاتوها."

كريم بص لها لحظة… وبعدين قال بحزم:

ـ "وعد."

برا…

باب القسم اتفتح.

الراجل دخل بخطوات سريعة، وصوته عالي:

ـ "فين بنتي؟!"

العساكر وقفوا فورًا.

كريم قرب منه:

ـ "اهدى يا أستاذ."

ـ "اهدى إيه؟! بنتي خطفت ابني وهربت!"

ريحة الخمرة كانت طالعة منه بوضوح… وإيده اليمين كان عليها جرح طازة كأنه خبط حاجة جامد.

كريم بصله بثبات.

ـ "مراتك فين؟"

الراجل سكت لحظة.

بس اللحظة دي كانت كفاية.

لأن التوتر اللي ظهر في عينه قال كل حاجة.

ـ "سألتك… مراتك فين؟"

ـ "معرفش."

كريم قرب أكتر.

ـ "الدورية لقت البيت مفتوح… والمطبخ مقفول من جوه."

أول ما سمع كلمة "المطبخ"… وش الراجل اتغيّر.

وبدأ يتراجع خطوة.

في نفس اللحظة… جهاز اللاسلكي اشتغل تاني بصوت متقطع:

ـ "يا باشا… لقينا الزوجة."

القسم كله سكت.

كريم رفع الجهاز بسرعة:

ـ "حالتها إيه؟"

ثواني عدت كأنها ساعات…

وبعدين الرد جه:

ـ "عايشة… بس مغمى عليها، وفي آثار ضرب واضحة."

ليلى من جوه الأوضة سمعت الكلمة.

"عايشة."

وفجأة انفجرت في العياط وهي بتحضن أخوها.

أما الأب…

فحاول فجأة يجري ناحية الباب.

لكن

العسكري مسكه في ثانية وطرحه على الأرض.

وهو بيقاوم ويزعق بجنون:

ـ "هي السبب! هي اللي خلت العيال يخافوا مني!"

كريم كان بيبصله بقرف واضح.

لكن قبل ما يتكلم…

صوت صغير طلع من آخر الممر.

ليلى.

كانت واقفة حافية، دموعها على خدها… وباصّة لأبوها بخوف عمره سنين.

تم نسخ الرابط