البنت الصغيرة بقلم زيزي
وقالت جملة خلت القسم كله يسكت:
ـ "أنا كنت بصحي بدري كل يوم… عشان أخبي ياسين قبل ما بابا يصحى."الكلمة وقعت على القسم كله كالصاعقة.
حتى العساكر اللي ماسكين الأب بصوا لبعض بصدمة.
الظابط كريم نزل بعينه ناحية ليلى وقال بهدوء:
ـ "ليه يا حبيبتي؟"
ليلى مسحت دموعها بطرف كم الجاكيت، وبصت ناحية أخوها الصغير.
ـ "عشان بابا كان بيتعصب من صوته لما يعيط."
الأب بدأ يزعق من على الأرض:
ـ "بتكدب! دي طفلة ومش فاهمة حاجة!"
لكن ليلى كملت وكأنها أخيرًا لقت حد يسمعها.
ـ "كل يوم لما ياسين يعيط… ماما كانت تجري تشيله بسرعة قبل ما بابا يقوم."
صوتها بدأ يترعش أكتر.
ـ "ولما ماما كانت تتأخر… كان يكسر الحاجات… مرة كسر الكوباية جنب راسي."
كريم حس غضب بيغلي جواه، لكنه فضل هادي.
ـ "النهارده حصل إيه؟"
ليلى بلعت ريقها.
ـ "بابا رجع متعصب… وكان بيزعق لماما عشان الفلوس."
الأب حاول يقوم تاني وهو يصرخ:
ـ "ما تسمعوش كلامها!"
لكن العسكريين ثبتوه مكانه.
ليلى خدت نفس مرتعش وكملت:
ـ "ياسين صحي وعيط… فبابا خبط بإيده على الترابيزة جامد وقال إنه مش طايق الصوت."
دموعها نزلت أكتر.
ـ "ماما خافت… خدتني على المطبخ وقالتلي البسي الجاكيت بسرعة."
كريم سألها
ـ "وبعدين؟"
ـ "حطت ياسين في حضني… وادتني ورقة فيها عنوان القسم."
إيدها الصغيرة طلعت الورقة من جيب الجاكيت.
كانت متكرمشة ومبلولة من المطر.
كريم فتحها ببطء…
ولقى بخط مهزوز:
"لو بنتي وصلت هنا، أرجوكم أنقذوا ولادي."
القسم كله سكت.
لكن الصدمة الحقيقية كانت لسه جاية.
لأن تحت الجملة دي… كان في سطر تاني.
سطر خلّى ملامح كريم تتغير فورًا:
"جوزي معاه سلاح… وأنا خايفة يقتل حد الليلة."كريم رفع عينه بسرعة ناحية الأب.
ـ "السلاح فين؟"
الراجل وشه اصفر فجأة.
ـ "مفيش سلاح!"
لكن التوتر اللي بان عليه كان واضح.
في نفس اللحظة، اللاسلكي اشتغل تاني:
ـ "يا باشا… لقينا درج مكسور في أوضة النوم، واضح إن في حاجة كانت متشالة منه."
كريم حس إن الوضع أخطر مما توقع.
لكن قبل ما أي حد يتكلم…
ليلى شدّت طرف هدومه بخوف.
ـ "بابا مش شرير طول الوقت."
القسم كله بص لها.
حتى الأب نفسه رفع عينه ناحيتها بدهشة.
ليلى كملت بصوت متقطع:
ـ "هو زمان كان بيضحك معايا… وكان بيجبلي شوكولاتة كل جمعة."
الأب بلع ريقه وبص في الأرض لأول مرة.
ـ "بس من ساعة ما خسر شغله… بقى بيتعصب بسرعة."
كريم فضل ساكت.
والبنت الصغيرة كملت وهي بتحاول أخوها بإيد وترفع
ـ "ماما كانت كل يوم تقولّي: بابا تعبان من جواه… بس لازم نحافظ على ياسين."
الأب بدأ يهدي بالتدريج.
ملامحه الغضبانة بدأت تتكسر… ويبان تحتها إرهاق وسنين ضغط.
كريم قرب منه بحذر.
ـ "اسمعني… دلوقتي مراتك في المستشفى، وعيالك مرعوبين منك."
الراجل غمض عينه للحظة.
ـ "أنا… ماكنتش هأذيهم."
ـ "بس هما كانوا فاكرين كده."
الجملة ضربته بقوة.
سكت ثواني طويلة… وبعدين صوته خرج مبحوح:
ـ "أنا كنت بس… مخنوق."
كريم رد بحزم هادي:
ـ "الخنقة مش مبرر إن طفلة تمشي حافية بالليل شايلة رضيع وتهرب منك."
الأب بدأ يعيط بصمت لأول مرة.
أما ليلى… فكانت واقفة متلخبطة، مش فاهمة إذا كانت تخاف منه ولا تزعل عشانه.
وفجأة…
باب القسم اتفتح، ودخل مسعف.
ـ "البنت الصغيرة اللي اسمها ليلى هنا؟"
ليلى اتشد جسمها بخضة.
المسعف ابتسم بهدوء.
ـ "مامتك فاقت… وأول حاجة قالتها إنها عايزة تطمن عليكي."ليلى أول ما سمعت الجملة… عينيها وسعوا فجأة.
ـ "ماما صحيت؟"
المسعف ابتسم وهز راسه.
ـ "وأول سؤال سألته كان: ولادي بخير؟"
البنت انهارت في العياط من كتر الضغط اللي كانت شايله طول الليلة.
الظابط كريم نزل لمستواها وقال:
ـ "تحبي تروحي تشوفيها؟
ليلى هزت راسها بسرعة وهي حاضنة ياسين.
بعد نص ساعة…
كانت قاعدة على سرير المستشفى جنب أمها.
الأم وشها كان مرهق وعليه آثار تعب واضحة… لكن أول ما شافت بنتها، مدت إيديها فورًا.
ليلى جريت عليها وهي بتبكي:
ـ "أنا عملت زي ما قولتيلي يا ماما… خدت ياسين وروحت للناس اللي لابسين ميري."
الأم حضنتهم الاتنين بقوة، وفضلت تبوس راس بنتها وهي بتعيط.
ـ "إنتِ أشطر بنت في الدنيا."
حتى الممرضة اللي واقفة جنب الباب دمعت عينيها.
أما الأب…
فكان قاعد لوحده في أوضة تانية داخل القسم.
هادئ لأول مرة.
منهار لأول مرة.
بعد أيام، بدأت التحقيقات والإجراءات القانونية، لكن الأهم إن الأم والأطفال اتنقلوا لمكان آمن مؤقتًا، واتوفرت لهم مساعدة ودعم.
وكريم ماقدرش ينسى الليلة دي أبدًا.
خصوصًا منظر طفلة صغيرة ماشية حافية في عز البرد… شايلة أخوها الرضيع وكأنها أمه.
وبعد شهور…
رجع يزورهم.
فتح الباب، فلقى ليلى بتجري في البيت الجديد وهي بتضحك، وياسين بيحاول يحبو وراها على السجادة.
الأم ابتسمت وقالت:
ـ "من يوم الليلة دي… ليلى مبقتش تخاف تنام."
كريم بص للبنت الصغيرة وهي بتضحك من قلبها لأول مرة.
وسألها بهزار:
ـ "طب والشوز يا ليلى؟ لسه بتمشي حافية؟"
ليلى
ـ "لأ… دلوقتي عندي جزمة بتنور كمان!"
البيت كله ضحك.
وفي اللحظة دي… كريم فهم إن أوقات، أشجع شخص في الدنيا ممكن يكون طفلة عندها سبع سنين… كل اللي كانت عايزاه إنها تنقذ أخوها الصغير.