روحت عزومه
إيده عليا يا ماما!
الصالة كلها سكتت.
حتى حسام نزل عينه في الأرض.
بابا لف ناحيته بصدمة الكلام ده حقيقي؟
حسام بلع ريقه وقال بصوت واطي مرة واتنين وأنا ندمان.
في اللحظة دي، بابا اندفع عليه.
مسكه من ياقة القميص بعنف تمد إيدك على بنتي؟!
الرجالة جريت تفصل بينهم، وليلى بدأت تصرخ من الخوف.
حضنتها وأنا بعيط لأول مرة من أول الليلة.
مش عياط زعل.
عياط خذلان.
إحساس إن كل الناس اللي كنت فاكرة إنهم ضهري كانوا بيكسروني حتة حتة.
وسط الزعيق، نيرمين فجأة وقعت على الأرض وهي بتصرخ أنا كنت غيرانة! خلاص؟! مبسوطة؟!
الكل سكت.
كانت بتنهج وهي تبكي إنتي طول عمرك الأحسن بابا بيحبك أكتر الناس بتحبك حتى بعد طلاقك الكل كان بيقف جنبك!
بصيتلها بعدم استيعاب.
كملت وهي منهارة وأنا؟ أنا اللي فضلت طول عمري أعمل اللي يرضيهم ومحدش شافني!
أمي جريت عليها اسكتي يا بنتي
لكن نيرمين زقتها لأ! سيبيني أقول! أنا اللي بدأت فكرة إخافة إيمان بورقة الحضانة
شهقة طلعت من الكل.
بابا قفل عينه للحظة لحظة طويلة كأنها وجع عمر كامل.
وبعدين فتحها وقال بهدوء مخيف يبقى تسمعوا قراري النهائي.
الكل سكت.
حتى الأطفال.
قال وهو واقف مستقيم من النهاردة كل واحد يتحمل نتيجة أفعاله.
بص لنيرمين إنتِ هتتحولي للتحقيق في الشركة.
وبص لأمي وأنتِ بينا كلام طويل بعد ما الناس تمشي.
ثم بص لحسام لو قربت من بنتي أو حفيدتي من غير إذنهم هعتبرك عدو.
حسام هز راسه وساب البيت من غير كلمة.
الباب اتقفل وراه
لكن قبل ما الهدوء يرجع، ليلى الصغيرة رفعت وشها وسألتني بصوت بريء كسر قلبي
هو تيتة وخالتو خلاص مبقوش بيحبونا؟
بصيت على أمي
كانت منهارة.
وبصيت على نيرمين
كانت بتبكي كأنها فقدت كل حاجة.
لكن الحقيقة المؤلمة؟
إن بعض الجروح حتى الحب ما بيعرفش يصلحها عدّى أسبوع كامل بعد الليلة دي والبيت بقى هادي بشكل مرعب.
الضحك اختفى.
العزومات بطلت.
حتى ريحة الأكل اللي كانت ماليّة البيت زمان بقت
أنا وليلى نقلنا نقعد عند بابا مؤقتًا. كان بيصحى كل يوم يوديها المدرسة بنفسه، ويحاول يعوضها عن الخوف اللي شافته.
أما أمي فبقت شبه شبح.
لا بتتكلم كتير، ولا بتبصلي في عيني.
وفي يوم، صحيت على صوت خبط خفيف على باب أوضتي.
فتحت لقيتها واقفة.
في إيدها صندوق خشب صغير قديم.
قالت بصوت مكسور ده كان بتاع جدتك وكانت موصياني أديهولك يوم ما تحسي إنك بقيتي أقوى من الوجع.
فتحته ببطء.
لقيت دهب بسيط وصور قديمة ليا وأنا صغيرة، ورسالة بخط جدتي.
إيمان الناس ساعات بتغلط في حق أقرب حد ليها مش دايمًا عشان الكره، ساعات عشان الخوف والضعف. بس أوعي تسمحي لوجعك يحول قلبك لحجر.
دموعي نزلت غصب عني.
أمي قعدت قدامي على الأرض لأول مرة في حياتي، وقالت وهي بتبكي أنا فشلت كأم سامحيني.
بصيتلها طويل.
الجرح كان لسه موجود.
والخيانة عمرها ما بتختفي بسهولة.
لكنها كانت أمي
وأنا تعبت من الكره.
حضنتها.
واتنينا فضلنا نعيط كأن السنين كلها بتخرج
أما نيرمين فبعد التحقيق، اكتشفوا إنها فعلًا كانت بتسحب فلوس من الشركة تحت ضغط ديون جوزها. بابا ماحبسهاش لكنه خلاها تواجه غلطها لوحدها. جوزها سابها بعد شهور، وكل الناس اللي كانت بتجاملها اختفوا.
وفي يوم، جتلي عند باب البيت.
وشها كان مرهق جدًا.
قالتلي أنا خسرت كل حاجة يا إيمان.
بصيتلها بهدوء وقلت لأ إنتِ خسرتِ نفسك الأول.
فضلت ساكتة ثواني، وبعدين حضنت ليلى الصغيرة وهي بتعيط.
ومن يومها بدأنا نحاول نرجع أخوات تاني.
مش زي زمان.
يمكن عمرنا ما نرجع زي زمان.
بس بصدق أكتر.
أما بابا
ففي عيد ميلاد ليلى السابع، جمع العيلة كلها تاني.
ولما الكل سكت، شال حفيدته وقال بابتسامة دافية
البيت اللي مافيهوش رحمة مش بيت. والناس اللي تتعلم من غلطها تستحق فرصة تانية.
بصيت حواليا
أمي بتضحك وسط دموعها.
نيرمين بتساعد ليلى تطفي الشمع.
وبابا واقف يبصلنا بفخر.
وساعتها بس فهمت
إن العيلة مش معناها ناس عمرها ما بتكسر
العيلة الحقيقية هي اللي بعد الكسر، تحاول تصلّح اللي باقي بدل ما ترميه.