في اليوم الي أنجبت فيه

لمحة نيوز

وجهي
لكنني كنت أستحق أن أعرف.
اقترب مني فورًا، وكأنه كان يختنق منذ ساعات.
وقال
أعرف وأقسم لكِ أنني سأقضي عمري أعتذر عن هذه اللحظة.
ثم نظر إلى الطفل بين ذراعي وقال بصوت مبحوح
أنا فقط كنت أحاول ألا أفقد طفلين في يوم واحد.
وفي تلك اللحظة
انهارت كل قسوتي.
بكيت.
بكيت من الخوف، ومن التعب، ومن الرعب الذي عشته حين ظننت أن أحدًا آذى طفلي.
لكنني أيضًا رأيت الحقيقة كاملة أخيرًا.
لم يكن هناك شر.
فقط أناس مرتبكون، يائسون، اتخذوا قرارًا خاطئًا بدافع الحب والخوف.
وبعد أسابيع
أكد الأطباء أن خلايا طفلنا كانت متوافقة فعلًا مع ليان.
وبدأ علاجها الذي انتظرته العائلة سنوات.
أما كاظم
فمنذ ذلك اليوم، لم يتخذ قرارًا يخص طفلنا دون أن يجلس معي أولًا، حتى لو كان أصغر تفصيل.
وفي كل مرة كانت ليان تزورنا لاحقًا، تركض نحو ابني الصغير وتقول بضحكتها الضعيفة
هذا ابن خالي بطلي الصغير.
وكان كاظم ينظر إليّ وقتها بصمت
بنظرة رجل يعرف أنه كاد يخسر زوجته في أكثر لحظة ظنّ فيها أنه يفعل الصواب مرّت الشهور ببطء بعد تلك الليلة.
ليان بدأت تتحسن فعلًا، ولأول مرة منذ سنوات، صارت منى تضحك دون أن تبكي بعدها مباشرة.
أما أنا
فكنت أحاول أن أعود كما كنت.
لكن شيئًا داخلي تغيّر.
كلما نظرت إلى أثر الوخز الصغير في ذراع ابني، يعود إليّ ذلك الشعور نفسه
الخوف.
الخوف الذي لا ينساه قلب أم أبدًا.
ورغم أنني سامحت كاظم
إلا أن
جزءًا مني ظل يتساءل
ماذا أيضًا يمكن أن يُخفى عني بحجة الحب؟
وفي إحدى الليالي، بعدما نام الجميع، كنت أرتب خزانة كاظم القديمة بحثًا عن بطانيات الشتاء.
حين سقط صندوق خشبي صغير من الرف العلوي.
انفتح الغطاء وحده.
وتناثرت أوراق قديمة فوق الأرض.
تنهدت بضيق وأنا أنحني لجمعها
لكن يدي توقفت فجأة.
كانت تقارير طبية.
كلها باسم ليان.
وتواريخها تعود إلى سنوات.
في البداية لم أهتم
حتى رأيت جملة مكتوبة بخط أحمر داخل أحد التقارير
احتمالية التوافق الوراثي داخل العائلة ضعيفة للغاية.
عقدت حاجبي.
ثم سحبت تقريرًا آخر.
ثم آخر.
وفي آخر صفحة
وجدت نتيجة تحليل قديمة.
تحت خانة الأقارب المحتمل تطابقهم مع ليان، كان هناك اسم واحد فقط عليه دائرة زرقاء
سارة عبد الرحمن.
شعرت بقلبي يتوقف.
أنا؟
لكن كيف؟
جلست ببطء فوق الأرض.
وأخذت أقرأ التقرير مرة أخرى بتركيز أكبر.
حتى وصلت إلى الملاحظة الأخيرة.
يوصى بإجراء فحص وراثي موسع بسبب وجود تطابق غير معتاد.
ارتجفت يدي.
وفي اللحظة نفسها
سمعت صوت باب الغرفة يُفتح خلفي.
رفعت رأسي بسرعة.
كان كاظم.
تجمّد مكانه فورًا حين رأى الأوراق بيدي.
ثم تغيّر لون وجهه بالكامل.
همست ببطء
لماذا اسمي موجود هنا؟
لم يجب.
فوقفت وأنا أشعر بأنفاسي تضيق.
كاظم لماذا كان الأطباء يريدون فحصي أنا بالتحديد؟
ظل صامتًا.
وهذا الصمت وحده كان مرعبًا أكثر من أي إجابة.
اقتربت منه خطوة.
ثم قلت بصوت
مرتعش
ماذا تعرف عن عائلتي ولا أعرفه أنا؟
أغلق عينيه للحظة طويلة.
وكأنه كان يخشى هذه اللحظة منذ سنوات.
ثم قال أخيرًا بصوت خافت جدًا
لأن والدكِ لم يكن والدكِ الحقيقي يا سارة.
شعرت بالأرض تميد تحتي.
ضحكت تلقائيًا من شدة الصدمة.
ماذا؟!
اقترب بسرعة وكأنه خائف أن أسقط.
لكنني ابتعدت عنه فورًا.
لا تقترب تكلم.
ابتلع ريقه بصعوبة.
وقال
قبل زواجنا بسنوات مرضت والدة منى كثيرًا، واحتاجت لنقل دم وتحاليل موسعة. وقتها ظهرت أشياء غريبة في الفحوصات القديمة أشياء جعلت جدتك تعترف بالحقيقة قبل موتها.
شعرت ببرودة تجتاح جسدي.
أي حقيقة؟
رفع عينيه نحوي أخيرًا.
وكان الألم فيهما واضحًا.
ثم قال
أنتِ أخت منى من الأب شعرت وكأن أحدهم صفعني بقوة.
حدقت في كاظم بلا استيعاب.
إنت مجنون.
خرجت مني الجملة تلقائيًا.
باردة مكسورة خائفة.
لكنه لم يعترض.
فقط ظل واقفًا مكاني، وكأنه يعرف أن أي كلمة إضافية قد تحطم ما تبقى مني.
صرخت فجأة
أخت منى إزاي؟! بابا مات وأنا عندي سبع سنين! عمري ما سمعت أي حاجة زي دي!
قال بصوت مرهق
لأن اللي حصل كان قبل ولادتك بسنوات طويلة وكان سر مدفون في العيلتين.
هززت رأسي بعنف.
لا لا، مستحيل.
لكن داخلي
داخلي كان يتذكر أشياء صغيرة كنت أتجاهلها طوال عمري.
تشابه غريب بيني وبين منى.
نفس شكل العينين.
نفس حساسية الدم النادرة.
حتى جدتي كانت دائمًا تعامل منى بحنان مبالغ فيه رغم أنها غريبة عن
العائلة.
جلست ببطء فوق السرير، أشعر بأن أنفاسي تختنق.
ثم همست
وأنت كنت تعرف؟
أخفض رأسه.
وهنا انكسر شيء داخلي بالكامل.
من إمتى؟
بعد خطوبتنا بشهور.
رفعت عيني إليه بصدمة ممزوجة بالقهر.
وتزوجتني وأنت مخبي عني إن عندي أخت؟!
قال بسرعة
لأنهم طلبوا مني السكوت.
ضحكت بمرارة.
هم مين؟!
والدتك وجدتك وحتى والد منى قبل وفاته.
شعرت بالغثيان.
أمي؟
أمي كانت تعرف؟
أكمل بصوت متعب
كانوا خايفين الحقيقة تدمر حياتك. والدك الحقيقي كان متزوجًا سرًا من والدة منى لفترة قصيرة قبل زواجه بأمك. ولما مات، العائلتان دفنتا كل شيء خوفًا من الفضيحة والميراث والمشاكل.
وضعت يدي فوق فمي.
كل شيء بدأ يدور حولي.
سنوات كاملة من حياتي
مبنية على نصف حقيقة.
وفجأة فهمت.
لهذا كان تطابقي الوراثي مع ليان قويًا.
لهذا كان الأطباء مصرّين على فحصي.
ولهذا
كان كاظم مذعورًا من أن أرفض مساعدة ليان لو عرفت الحقيقة دفعة واحدة بعد الولادة.
رفعت بصري إليه ببطء.
هل تزوجتني بسبب هذا الموضوع؟
اتسعت عيناه فورًا.
سارة، لا.
أجبني!
اقترب خطوة وقال بصدق موجع
أقسم لكِ أنني لم أعرف أي شيء وقت ما حبيتك. عرفت بعدين وبعدها كنت كل يوم أخاف أخسرك لو قلت الحقيقة.
نظرت إليه طويلًا.
كنت أريد أن أكرهه.
لكنني رأيت الرعب الحقيقي في وجهه.
رعب رجل عاش سنوات يحمل سرًا ليس له.
وفجأة
سمعنا صوت بكاء صغير من غرفة الطفل.
التفتُّ تلقائيًا.
كان ابني قد استيقظ.

دخلت إليه بسرعة، وحملته بين ذراعي.
وما إن التصق بي حتى انهرت باكية.
بكيت على أبي الذي لم أعرفه حقًا.
على أمي التي أخفت نصف عمري عني.
على منى التي كانت أختي دون
تم نسخ الرابط