بنته سافرت

لمحة نيوز

العقل قال له يهرب… لكن رجله كانت متجمدة.

والباب… بدأ يتفتح ببطء شديد من برّه.

من غير مفتاح.

من غير كسر.

كأنه اتفتح بأمر حد واثق إنه خلاص وصل للي عايزه.

وفي آخر فتحة في الباب…

ظهر ظل واحد بس.

واقف ثابت.

مش بيبان منه غير ابتسامة خفيفة جدًا.

وقال بصوت هادي: “أخيرًا… الجزمة وصلت بيتها.”عم حسن حسّ إن الأرض بتنسحب من تحته.

الظل واقف عند الباب، ثابت بشكل غير طبيعي… كأنه مش داخل أو خارج، كأنه جزء من العتمة نفسها.

الابتسامة اللي على وشه ما كانتش مريحة… كانت شبه حد بيكمل حاجة كانت ناقصة من زمان.

“بيتِها؟” عم حسن كرر الكلمة بصوت مكسور. “بيت مين؟!”

الراجل ما ردّش. بس رفع إيده بهدوء وأشار نحية الجزمة اللي على الأرض.

وفي اللحظة دي… صوت البيب… البيب… البيب… بقى أسرع.

كأن العدّ التنازلي قرب يخلص.

عم حسن فجأة حس بحاجة غريبة… مش في الأوضة… في دماغه هو.

ذكريات مش مفهومة.

طريق سفر قديم.

مكالمة قصيرة من منى قبل شهور قالت فيها جملة غريبة: “لو حصلي حاجة، ما تفتحش أي حاجة توصل لك من غير ما تتأكد مني.”

ساعتها افتكر إنه ما ركزش.

دلوقتي… الندم كان بيخبط في صدره أكتر من أي خبط على الباب.

الظل دخل خطوة للداخل من غير ما الباب

يتحرك.

خطوة واحدة… لكن الأوضة كلها اتغيرت.

الهواء بقى أتقل.

والنور بقى شبه ميّت.

وبصوت منخفض جدًا قال: “إحنا مش جايين نأذيك… إحنا جايين ناخد الحاجة اللي اتبعتت بالغلط.”

عم حسن شد نفسه: “غلط؟ بنتي اللي بعتت ده!”

ضحكة خفيفة طلعت من الظل… مش ضحكة سخرية، ضحكة تأكيد: “منى بعتت الرسالة… لكن ما بعتتش الجزمة.”

وفي اللحظة دي…

الجزمة التانية اتفتحت لوحدها.

ومن جواها طلع ضوء أحمر صغير… بدأ يومض بسرعة جنونية.

الظل بص له وقال بهدوء مرعب: “دلوقتي… لازم تقرر.
تسيبها تكمّل… ولا تنقذ اللي باقي من بنتك؟”عم حسن حسّ إن الكلمة الأخيرة ضربت جواه زي مطرقة.

“تنقذ اللي باقي من بنتك؟”

باقي من بنتي؟

إيده ارتعشت وهو بيبص للضوء الأحمر اللي بيومض جوّه الجزمة، والعدّ التنازلي بقى أسرع لدرجة إن الصوت بقى شبه صفير في ودنه.

الظل واقف مستني… مش مستعجل، كأنه متأكد إن القرار محسوم من زمان.

عم حسن فجأة بص ناحية الباب، وبعدين للجزمة، وبعدين رجع للظل: “إنتوا عايزين إيه من بنتي؟!”

الظل قرب خطوة تانية، والهواء اتقل لدرجة إنه حس إنه مش قادر يتنفس: “مش إحنا اللي عايزين… اللي جوّا الجزمة هو اللي عايز يطلع.”

في اللحظة دي… الأرض تحت الجزمة بدأت

تهتز اهتزاز خفيف.

والنور الأحمر خرج منه شرارة صغيرة ضربت الحيطة.

عم حسن رجع لورا: “أنا مش فاهم حاجة!”

الظل رد بصوت أخفض: “لأنك شايف النتيجة… مش البداية.”

وفجأة…

الجزمة التانية اتشقّت من الجنب.

مش شق عادي… كأنها اتفتحت من الداخل.

ومن جوّاها طلع صوت منى… لكن مش صوتها وهي كبيرة.

صوتها وهي مرعوبة: “بابا… متصدقهمش… الجزمة دي مش رسالة… دي قفل!”

عم حسن اتجمد.

“قفل؟!”

الظل رفع إيده بسرعة لأول مرة، وكأن الكلام ده مش مفروض يتقال.

لكن فات الأوان…

العدّ التنازلي وصل للصفر.

بيييب… صفارة طويلة.

وبعدها…

الجزمة اتفتحت بالكامل.

مش نار.

مش انفجار.

لكن ضوء أبيض عمّى الأوضة كلها، لدرجة إن عم حسن غطّى عينه بإيده وصرخ: “منى!”

سكون.

ثانية.

اتنين.

وبعدين…

الصوت اللي رد عليه ماكنش من الأوضة.

كان من التليفون اللي اتكسر على الأرض… بصوت ضعيف: “بابا… أنا هنا… بس مش لوحدي.”عم حسن نزل على ركبته قدام الأوضة المضيئة، مش شايف غير أبيض بيضغط على عينيه، وصوت منى الضعيف لسه عالق في السما.

“مش لوحدي…”

الكلمة كانت كافية تقلب كل حاجة.

الظل اللي كان واقف عند الباب بدأ يختفي تدريجيًا، كأنه بيتسحب لجوا الضوء غصب عنه، وصوته لأول مرة

اتغير: “اتأخرنا… القفل اتفتح.”

الهواء اتشفط فجأة ناحية الجزمة المفتوحة، وكل حاجة بدأت تهدى بشكل غير طبيعي… هدوء قبل العاصفة أو بعدها.

عم حسن زحف ناحية الصوت، ماسك الأرض بإيده: “منى! إنتي فين؟!”

الصوت رد عليه، أقرب المرة دي، جاي من التليفون المكسور: “أنا… كنت جوّا الحاجة اللي بعتتها… بس هو اللي كان بيستخدمها كطريق.”

سكتت لحظة، وبعدين كملت: “الجزمة كانت وسيلة عشان أوصل لك الرسالة… مش أنا اللي كنت جوّاها… كانوا بيحاولوا يخلوني أنا المفتاح.”

عم حسن دموعه نزلت من غير ما يحس: “إنتي كويسة؟!”

سكون.

وبعدين صوتها رجع أهدى: “دلوقتي… أيوه.”

الضوء بدأ يخف تدريجيًا، والجزمة اتقفلت لوحدها ببطء، كأنها بتقفل باب اتفتح غصب عنه.

وباب البيت… اللي كان مفتوح لوحده… اتقفل بهدوء تام.

البيت رجع ساكن.

بس مش نفس السكون الأول.

سكون فيه نهاية حاجة.

التليفون المكسور طلع منه صوت آخر رسالة من منى: “متخافش عليا… وخلي بالك من أي حاجة توصلك من غير ما تفهمها الأول.”

وبعدها… صمت كامل.

عم حسن فضل قاعد على الأرض شوية، ماسك الجزمة بإيده، وبعدين قام بهدوء.

فتح الدولاب… وحطها جوّه.

بس المرة دي ما قفلش عليها بإهمال.

قفل عليها بمفتاح.

وبعدها

بص للبيت كله وقال بصوت واطي: “مش كل هدية… بتكون هدية.”

والنور اشتغل طبيعي.

لكن من وقتها… كل ما يوصله طرد من القاهرة… ما بيفتحهوش غير وهو متأكد ألف مرة إنه جاي من منى فعلًا.

تم نسخ الرابط