منذ أن دخلت شهرها السابع

لمحة نيوز

منذ أن دخلت شهرها السابع، وزوجةُ سفيان ترفض مغادرة الفراش تمامًا… لا تفتح باب غرفتها، لا تسمح لأحد بلمسها، وتبقى طوال اليوم مختبئة تحت بطانيةٍ سميكة وهي ترتجف كلما اقترب منها زوجها، حتى بدأت والدته تتهمها بالكسل والتمارض، مؤكدةً أنها تخدعه وتستغل تعبه وعمله الطويل.

في البداية، حاول سفيان الدفاع عنها.

كان يقول لنفسه إن الحمل مُرهق…
وإن زوجته “مليكة” ليست من النوع الذي يتصنع المرض أو يتهرب من المسؤولية.

لكن شيئًا ما داخل البيت بدأ يتحول ببطء إلى كابوس خانق.

مليكة لم تعد تخرج من الغرفة أبدًا.
أصبحت ترفض الطعام إلا بصعوبة.
حتى ضوء الشمس كانت ترفض دخوله.

والأغرب من ذلك كله…
أنها كانت تدخل في حالة رعب حقيقية كلما حاول سفيان الاقتراب من البطانية التي تغطي جسدها بالكامل.

أما والدته، فكانت تستغل الأمر كل يوم لتزيد النار اشتعالًا.

“زوجتك ليست مريضة… إنها تتلاعب بك.”
“أنت تعمل كالحمار طوال اليوم وهي نائمة منذ أسابيع!”
“في زماننا كانت المرأة الحامل تطهو وتغسل وتتحمل، لا تختبئ تحت الأغطية كالأطفال!”

ومع مرور الأيام…
بدأ الشك يتسلل إلى قلبه رغم حبّه الكبير لها.

خصوصًا بعدما لاحظ أنها لم تعد تسمح له حتى بأن يساعدها على النهوض أو السير إلى الحمام، وكانت تتمسك بالبطانية بقوة مرعبة كلما حاول لمسها، وكأن تحتها سرًا لا تريد لأحد أن يراه.

وفي ليلةٍ باردة ماطرة…
عاد سفيان إلى شقته المتواضعة في إحدى أحياء العاصمة الجزائرية

بعد أكثر من خمس عشرة ساعة من العمل المتواصل.

كان مرهقًا، مبتلّ الثياب، بالكاد يقف على قدميه.

وما إن فتح الباب…
حتى سمع صوت والدته يخرج من المطبخ بسخرية حادة:

“اذهب وانظر إلى زوجتك… منذ يومين لم تتحرك من فوق السرير وكأنها جثة!”

شعر بشيء ينفجر داخله.

دخل الغرفة بخطوات سريعة، ليجدها كما تركها صباحًا…
مستلقية في الظلام، تضم البطانية إلى جسدها وكأنها تحتمي بها من العالم كله.

اقترب منها وقال بصوتٍ مرتجف من الغضب والتعب:

“مليكة… إلى متى سيستمر هذا؟ أخبريني ماذا تخفين عني!”

لكنها بدأت تبكي فورًا…
ثم تشبثت بالغطاء بكل قوتها وهمست بصوتٍ مخنوق أرعبه:

“أرجوك يا سفيان… لا تنظر إليّ… أرجوك.”

في تلك اللحظة…
شعر لأول مرة بالخوف منها.

لكن كلمات والدته، والتعب، والأسابيع الطويلة من الصمت والغموض…
حطمت آخر ذرة صبرٍ داخله.

فأمسك البطانية بعنف…
وجذبها دفعةً واحدة.

وفي الثانية التالية…

سقط سفيان على ركبتيه، وقد تحطم تمامًا بعد أن اكتشف الحقيقة المرعبة التي كانت زوجته تخفيها تحت البطانية طوال تلك الأسابيع.

الجزء الثاني..الهواء في الغرفة أصبح أثقل من أن يُتنفَّس.

الباب الذي فتح وحده ظلّ يهتزّ كأنه لم يُفتح بفعل ريح… بل بفعل شيءٍ يعبر منه الآن.

سفيان كان واقفًا في مكانه، لا يجرؤ حتى على الرجوع خطوة واحدة. عينيه معلقتان بالبطانية التي انزلقت من على السرير وبدأت تزحف ببطء نحو الباب… كأنها تبحث عن خروجٍ كانت تنتظره

منذ زمن.

أما مليكة… فقد كانت شبه فاقدة للوعي، لكن شفتيها تتحركان بكلمات متقطعة:

“ما تسيبوش يخرج… لو خرج… هنخلص كلنا…”

والدة سفيان ارتجفت لأول مرة في حياتها، وتمتمت بصوت مكسور:

“أنا… أنا كنت فاكرة إنها بتهزر…”

لكن جملتها لم تكتمل.

لأن الإضاءة عادت فجأة.

ليس نورًا طبيعيًا… بل ومضة قوية بيضاء جعلت كل شيء يبدو لحظة واحدة كصورة ثابتة.

وفي تلك الومضة…

رآه سفيان.

لم يكن “شيئًا” واضح الشكل.

كان أقرب لظلٍّ بشري… لكن غير مكتمل، كأن ملامحه تُبنى في الهواء أثناء الحركة.

وقف عند عتبة الباب.

ثم التفت ببطء شديد نحو الغرفة.

وهنا… حدث ما جعل قلب سفيان يتوقف.

الظل لم يكن ينظر إلى مليكة.

ولا إلى الأم.

بل كان ينظر إليه هو تحديدًا.

وكأنه يعرفه.

بل… كأنه يراه منذ البداية.

“أخيرًا…” خرج الصوت من الظل، منخفضًا لكن واضحًا بشكل مستحيل.
“كنت مستني اللحظة دي من زمان يا سفيان…”

تراجع سفيان خطوة لا إرادية، وصدم الكرسي خلفه.

“إنت… إنت مين؟!” صرخ بصوت متقطع.

لكن الرد لم يأتِ من الظل.

بل من داخل مليكة نفسها.

حين فتحت عينيها فجأة وقالت بصوت مختلف تمامًا عنها:

“هو مش بيسأل… هو بيرجع بيته.”

وفي نفس اللحظة…

بدأت العلامات على جسدها تتحرك.

نعم… تتحرك.

كأنها لم تكن جلدًا، بل حروفًا تُكتب من الداخل.

والبطانية عند الباب توقفت فجأة.

ثم بدأت ترتفع ببطء شديد… كأن شيئًا بداخلها وقف على قدميه.

الظل خطا خطوة داخل الغرفة.

وبمجرد أن فعل…

انطفأت كل الإضاءة نهائيًا.

لكن قبل الظلام الكامل، سمع سفيان جملة واحدة واضحة جدًا، جاءت من كل الاتجاهات في نفس الوقت:

“دلوقتي… الدور عليك.”

صمت.

ثم صوت ارتطام قوي جدًا كأن الباب أُغلق من الخارج… لكنهم ما زالوا بالداخل.

وفي الظلام…

بدأت مليكة تضحك.

ضحكة ليست لها.

بل لصوتٍ آخر تمامًا.

يتبع…في اللحظة التي انزلقت فيها البطانية من بين يديه…

لم يرَ “مليكة” كما كان يتوقع أن يراها.

لم يرَ بطنًا منتفخًا من الحمل، ولا تعبًا عاديًا، ولا حتى جسدًا منهكًا من شهورٍ طويلة من الإرهاق…

بل كانت هناك طبقة أخرى من الظلام.

شيء لا يشبه الجسد الطبيعي.

تراجع سفيان إلى الخلف فجأة، واصطدمت كتفاه بالحائط، بينما عينيه ترفض تصديق ما تراه.

جلدها… كان يحمل آثارًا غريبة. علامات داكنة ممتدة بشكل غير طبيعي، كأن شيئًا ما من الداخل يحاول أن يخرج منذ وقت طويل ولم ينجح.

ومليكة…

لم تصرخ.

لم تتحرك.

فقط غطّت وجهها بيديها وهمست بصوتٍ مكسور:

“قلت لك… لا تنظر.”

في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة ببطء شديد.

دخلت والدة سفيان، وعندما وقعت عيناها على المشهد، تجمدت في مكانها.

ثم تراجعت خطوة إلى الخلف، وهمست لأول مرة بصوتٍ غير ساخر:

“إيه… إيه ده؟”

لكن قبل أن يجيب أحد…

سمعوا صوتًا خافتًا يأتي من داخل البطانية التي كانت ما تزال على طرف السرير.

ليس صوت بكاء.

ولا أنين.

بل… خبطات منتظمة.

من الداخل.

كأن شيئًا ما…

كان حيًا تحتها.

سفيان التفت ببطء نحو زوجته، وعيناه تملؤهما الرعب:

“مليكة… إيه اللي جواك؟”

لكنها بدأت تهز رأسها بعنف، ودموعها تنهمر بلا توقف:

“مش أنا… أنا حاولت أخلص منه… بس هو مش راضي يسيبني…”

وفجأة…

تم نسخ الرابط