منذ أن دخلت شهرها السابع
انطفأ نور الغرفة بالكامل.
صمت.
ثم خبطه واحدة قوية جدًا من تحت البطانية جعلت السرير كله يهتز.
تبعتها خبطتان.
ثم ثلاث…
وفي الظلام، سمع سفيان شيئًا أخطر من أي صوت سبق وسمعه في حياته:
صوت يتكلم من الداخل… بصوت يشبهه تمامًا.
“افتح… الباب…”
سفيان تراجع وهو يهمس برعب:
“ده… ده بيقلد صوتي؟”
لكن الصوت تكرر، أقرب هذه المرة، كأنه خرج من صدر الغرفة نفسها:
“افتح… يا سفيان…”
وفي اللحظة التي حاول فيها تشغيل كشاف هاتفه…
أمسكت مليكة بذراعه فجأة بقوة غير طبيعية، وقالت بصوتٍ لم يعد لها:
“لو شفته… مش هتقدر تقف قدامه أبدًا.”
ثم سكتت تمامًا.
وكأنها فقدت الوعي.
لكن البطانية… بدأت تتحرك وحدها.
ببطء.
نحو طرف السرير.
ونحو الأرض.
ونحو الباب…
والصوت من داخلها همس للمرة الأخيرة قبل أن يختفي:
“أنا خارج.”
والباب… بدأ يُفتح من تلقاء نفسه.
يتبع…الضحكة في الظلام لم تكن مجرد صوت…
كانت تتحرك في الغرفة نفسها.
كأنها تلتف حول سفيان، تقترب من أذنه مرة، ثم تختفي لتظهر خلف والدته، ثم تعود فجأة قرب صدره.
سفيان كان يحاول أن يلتقط أنفاسه، لكن الهواء نفسه كان يرفض الدخول إلى رئتيه.
“مليكة…” نطق اسمها بصوت مكسور، كأنه يستنجد بأي شيء يعرفه في هذا العالم.
لكن الرد لم يأتِ منها.
بل
“هي دلوقتي مش هنا…” قال الصوت بهدوء غريب.
“هي بس الغلاف اللي أنا كنت مستخبيه فيه.”
والدة سفيان تراجعت للخلف وهي تلمس الجدار بعشوائية:
“إحنا نعمل إيه؟ نخرج… نخرج من هنا!”
لكن الباب… لم يعد بابًا.
كان مجرد جدار أملس بلا مقبض، بلا فتحة، وكأن الشقة لم يكن لها مخرج من الأساس.
سفيان التفت بسرعة نحو النافذة.
لكنها أيضًا كانت مغلقة من الخارج بطبقة داكنة، كأن الليل نفسه التصق بها.
وفجأة…
سقطت مليكة على الأرض.
لكن ليس كجسد فاقد للوعي…
بل كأن شيئًا خرج منها وتركها فارغة.
وفي نفس اللحظة، بدأ الظل يكبر.
لا يقترب فقط… بل يتمدد.
يملأ زوايا الغرفة، يزحف على الجدران، ويغطي السقف كأن المكان كله أصبح جزءًا منه.
ثم قال بصوت منخفض جدًا، أقرب للهمس داخل عقل سفيان نفسه:
“أنا مش داخل جديد… أنا كنت هنا من الأول.”
تجمد سفيان.
“إيه قصدك؟”
اقترب الظل خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليشعر سفيان أن الغرفة كلها انكمشت عليه.
“كل مرة كنت بتغضب فيها…”
“كل مرة كنت بتشك…”
“كل مرة كنت بتسيب الخوف يدخل جواك…”
توقف قليلًا، ثم أكمل:
“كنت أنا اللي بكبر.”
في تلك اللحظة…
بدأت مليكة تتحرك على الأرض ببطء شديد.
لكنها لم تكن
كانت تنظر إلى سفيان فقط، وتهمس بصوت ضعيف جدًا كأنه آخر ما تبقى منها:
“متصدقوش… هو بيكذب…”
ثم رفعت يدها بصعوبة، وأشارت نحو صدره هو.
“هو مش برا… هو جواك.”
سفيان تراجع خطوة بعنف.
“اسكتي!” صرخ، لكن صوته كان مهزوزًا.
الظل توقف فجأة.
ثم… ساد صمت كامل.
كأن العالم كله حبس أنفاسه.
وبهدوء شديد، قال الصوت:
“هي أول مرة تقول الحقيقة من البداية.”
ثم اقترب الظل من سفيان.
ومدّ شيئًا يشبه اليد… لكن ليس يدًا تمامًا.
وقبل أن يلمسه مباشرة…
انطفأ كل شيء.
حتى صوته هو.
لكن في الظلام الكامل…
سمع سفيان آخر جملة، ليست من الخارج هذه المرة…
بل من داخله هو نفسه:
“افتحني.”
يتبع…الظلام لم يظل صامتًا طويلًا.
الجملة الأخيرة “افتحني” لم تكن مجرد صوت… بل كانت كأنها مفتاح انكسر داخل رأس سفيان، وبدأ يفتح شيئًا لا يُفتح.
فجأة، تذكّر كل شيء.
ليلة قديمة قبل شهور، لم يأخذها على محمل الجد.
كان قد عاد متأخرًا، غاضبًا، منهكًا من العمل، ودخل في شجار حاد مع مليكة لأول مرة… ثم قال لها جملة قاسية لم ينتبه لوقعها:
“إنتِ مش شايلة غير همّك… وأنا اللي شايلك كلك.”
في تلك اللحظة فقط… تغيّر كل شيء.
الظل لم يدخل البيت من الخارج.
بل بدأ من تلك الجملة.
بدأ من الشرخ الأول.
الظلام
سفيان فتح عينيه بصعوبة…
كان على الأرض، في نفس الغرفة… لكن بلا أي أثر لذلك الكيان.
لا ظل.
لا همس.
لا صوت.
فقط مليكة.
كانت مستلقية على الأرض، تبكي بصمت، لكنها حقيقية… إنسانة فقط.
ووالدته جالسة في الزاوية، ترتجف دون أن تتكلم، وكأنها لا تعرف إن كان ما حدث حلمًا أم كابوسًا طويلًا انتهى للتو.
سفيان زحف نحو مليكة ببطء، وصوته مكسور:
“إيه اللي حصل؟ أنا شفت… أنا شفت حاجة مش طبيعية…”
رفعت مليكة نظرها إليه، ودموعها تنزل بهدوء:
“مش حاجة كانت عايزة تخرج منّي…”
توقفت لحظة، ثم أكملت:
“كانت حاجة اتولدت من بيننا إحنا الاتنين… من خوفك، ومن سكوتي، ومن كلام ما اتقالش في وقته.”
سكتت الغرفة تمامًا.
ثم وضعت يدها على بطنها، وقالت بصوت منخفض:
“وبعدين اختفت لما اختارنا نسكتها بدل ما نغذيها.”
سفيان أغلق عينيه.
هذه المرة ليس خوفًا…
بل إدراكًا ثقيلًا للحقيقة.
مرت أيام.
عاد البيت هادئًا بشكل مخيف، لكن هدوءًا حقيقيًا هذه المرة.
لا أصوات غريبة.
لا ظلّ يتسلل.
فقط حياة عادية بدأت تُرمم نفسها.
وفي ليلة صافية، خرج سفيان مع مليكة إلى الشرفة.
كان يحمل كوب شاي، وهي تنظر إلى السماء.
قال بهدوء:
“فاكرة اللي حصل؟”
ابتسمت
“فاكرة الإحساس… مش التفاصيل.”
سكت قليلًا، ثم قال:
“إحنا ممكن نكمل؟”
نظرت له مليكة طويلًا، ثم قالت:
“لو بطّلنا نخاف من بعض.”
وفي تلك اللحظة…
مرّت نسمة هواء خفيفة.
هذه المرة لم تكن مخيفة.
بل طبيعية.
وكأن البيت أخيرًا… تنفّس.
النهاية.