روحت اتبرع
الحاجة زكية قامت فجأة من مكانها، وقالت بصوت عالي لأول مرة:
“كفاية!”
كل العيون اتثبتت عليها.
بصتلي… وبعدين لسيد:
“إنتوا هتضيعوا البيت فوق دماغكم ليه؟”
الضابط حاول يتكلم، لكنها رفعِت إيدها وسكتته.
“الولد ده مالوش ذنب في أي حاجة.”
بصيت لها وأنا حاسة إن الأرض بتهتز تحت رجلي:
“يعني إيه؟ مين الولد ده أصلًا؟”
الحاجة زكية أخدت نفس طويل، كأنها شايلة سر بقاله سنين.
وقالت بهدوء موجوع:
“ياسين يبقى ابن أخو سيد الله يرحمه… أخوه مات من سنين هو ومراته في حادثة، والولد اتربى بعيد عننا فترة بسبب مشاكل كبيرة مع ناس كانوا بيطاردوا أبوه.”
سيد نزل عينيه في الأرض.
كملت:
“ولما رجع، سيد هو اللي شاله ورباه… ومن ساعتها الولد متعلق بيه وبيقوله بابا.”
بصيت لياسين.
الطفل كان واقف حاضن لعبته، وعينيه مليانة خوف وتوهان.
سألته بهدوء:
“إنت اسمك ياسين؟”
هز راسه.
“وبتحب سيد؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة:
“ده بابا… يعني عمو سيد.”
قلبي وجعني بطريقة غريبة.
بصيت لسيد:
“ليه ماقولتليش الحقيقة؟”
رد بصوت مكسور:
“لأن كل حاجة كانت داخلة في بعض… وأنا خفت لو عرفتي تسيبيني وتمشي.”
ضحكت بسخرية:
“بعد كل ده… كنت فاكر المشكلة في
سكت.
الضابط فتح الملف وقال بجدية:
“الولد ده تحت حماية فعلًا، لأن أبوه زمان كان شاهد في قضية كبيرة، وفي ناس لسه بتدور على أي حد له علاقة بيه.”
الحاجة زكية مسحت دموعها بطرف الطرحة:
“وإحنا كنا بنحاول نحافظ عليه بأي طريقة.”
بصيت لسيد بغضب:
“وده يبرر إنك تضحك عليا؟ تخليني أدخل عملية وأنا فاكرة إني بنقذك إنت؟”
رد بسرعة:
“أنا فعلًا كنت محتاج الزرع… بس لما عرفوا إن فصيلتك تنفع كمان لإنقاذ ياسين لو حالته ساءت، الأمور دخلت في سكة تانية.”
الضابط هز راسه:
“وكان لازم يتم كل شيء بسرية.”
اتنهدت وأنا حاسة إن عمري كله بيتقلب قدامي.
بس وسط كل الفوضى دي… ياسين قرب مني فجأة، وشد طرف هدومي بخفة.
“هو إحنا هنفضل لوحدنا؟”
بصيت له.
ولأول مرة، ما شوفتش ملف ولا أسرار ولا خوف.
شوفت طفل صغير مرعوب.
نزلت لمستواه وقلت بهدوء:
“لا… محدش هيسيبك لوحدك.”
الطفل حضني فجأة.
وساعتها حسيت إن كل الغضب اللي جوايا هدي شوية.
الضابط قال:
“لازم تتحركوا حالًا.”
بصيت لسيد.
كان واقف مكسور، لأول مرة من سنين من غير صوت عالي ولا أوامر.
قال بصوت واطي:
“مريم… أنا آسف.”
ما رديتش.
مش لأن السماح مستحيل…
لكن لأن الجرح
مسكت إيد ياسين، ونزلنا السلم وسط صمت تقيل.
وأول ما ركبنا العربية، الطفل بصلي وسألني:
“إنتي هتيجي معايا؟”
بصيت له… وبعدين للشوارع اللي كانت بتبعد عن حياتي القديمة.
وقلت بابتسامة خفيفة:
“أيوه… مش هسيبك.”
العربية اتحركت.
ووراها سابت بيت مليان أسرار ووجع وخيانة.
لكن قدامها…
كان فيه بداية جديدة.
العربية فضلت ماشية وقت طويل، وأنا ساكتة، حاسة إن صوت الموتور أهون بكتير من الكلام اللي جوا دماغي.
ياسين كان نايم على كتفي، وإيده الصغيرة ماسكة في كم العباية كأنه خايف أصحى وأختفي.
الضابط اللي قدامنا رد على مكالمة قصيرة، وبعدها لف وقال:
“هتقعدوا كام يوم في مكان آمن لحد ما الأمور تهدى.”
سألته بتعب:
“وإيه اللي هيهدى؟”
بص من الشباك وقال:
“الناس اللي كانت بتدور على الطفل… عرفت إنه اتحرك.”
قلبي دق بعنف.
“يعني ممكن يوصلوا لنا؟”
ما ردش مباشرة، وده كان أسوأ من الرد.
بعد ساعة تقريبًا وصلنا لبيت صغير في منطقة هادية على أطراف البلد. بيت دور واحد، جنينة صغيرة وسور عالي.
أول ما دخلنا، ست كبيرة في السن استقبلتنا بابتسامة هادية:
“حمد لله على السلامة.”
الضابط عرفها علينا بسرعة:
“دي
الحاجة نوال خدت ياسين في حضنها بحنية:
“كبرت يا حبيبي.”
الولد ابتسم لأول مرة من ساعات.
طلعت أنا الأوضة، وقعدت على طرف السرير أبص للسقف.
كل حاجة حصلت كانت أكبر مني.
سيد… الكدب… المستشفى… الحماية…
وفجأة حسيت إني مش قادرة أتنفس.
طلعت الموبايل من شنطتي.
كان مقفول طول الوقت.
أول ما فتحته، لقيت عشرات المكالمات من رقم سيد.
ورسايل.
فتحت آخر رسالة.
“عارف إني خسرت حق الكلام… بس أوعي تكرهي الولد بسببي.”
غمضت عيني بقوة.
ليه الجملة دي وجعتني أكتر من الخيانة نفسها؟
نزلت لتحت لقيت ياسين قاعد على الأرض بيرسم.
قربت منه بهدوء:
“بترسم إيه؟”
وراني الرسمة.
بيت صغير… وشخصين ماسكين إيد طفل.
سألته بابتسامة موجوعة:
“مين دول؟”
قال ببساطة:
“إنتي وأنا… ولما بابا يخف هيجي.”
الكلمة وقفت قلبي.
“بابا؟”
هز راسه:
“عمو سيد يعني… أصل هو وعدني.”
سكت.
الولد ده ماكانش فاهم كدب الكبار، ولا خوفهم، ولا لعبهم.
كل اللي فاهمه إن الراجل اللي رباه اختفى فجأة.
في نفس اللحظة، الباب الخارجي خبط بعنف.
الحاجة نوال شهقت.
الضابط قام بسرعة ومد إيده لسلاحه.
الخبط اتكرر أقوى.
وصوت راجل جه من بره:
“افتحوا! بسرعة!”
بصيت لياسين، لقيته اتجمد في مكانه.
الضابط قرب من الباب بحذر:
“مين؟”
والرد اللي جه خلّى الدم يتسحب من وشي:
“سيد عنده نزيف حاد… ولو مريم ماجتش دلوقتي، هيموت.”حسيت الدنيا سكتت حواليا.