روحت اتبرع

لمحة نيوز

الكلمة الأخيرة فضلت ترن في ودني:

“هيموت.”

بصيت للضابط بسرعة:
“إيه اللي حصل؟”

فتح الباب بحذر، ودخل شاب لابس هدوم مستشفى وعليه آثار دم.

كان بيجري نفسه بالعافية.

قال وهو بيحاول ياخد نفسه:
“حصلت مضاعفات بعد جلسة الغسيل… ضغطه وقع فجأة، والدكاترة مش قادرين يثبتوه.”

الضابط عقد حواجبه:
“إحنا نقلناه لمستشفى مؤمنة… إزاي الخبر وصل بسرعة كده؟”

الشاب رد بتوتر:
“مش وقت أسئلة… هو كل اللي بيطلبه دلوقتي مريم.”

قلبي اتقبض.

رغم كل اللي عمله… مجرد فكرة إنه ممكن يموت خلت حاجة جوايا ترتعش.

ياسين شد هدومي بخوف:
“بابا هيجراله إيه؟”

نزلت لمستواه بسرعة:
“مفيش حاجة هتحصل إن شاء الله.”

لكن صوتي نفسه ماكانش مصدقني.

الضابط قرب مني:
“الخروج دلوقتي خطر.”

بصيت له بعصبية:
“وسيبه يموت يعني؟”

سكت لحظة، وبعدين قال:
“هتروحي تحت حراسة… نص ساعة وترجعي.”

هزيت راسي بسرعة.

بعد أقل من عشر دقايق كنت راكبة العربية تاني، والليل بره أسود وتقيل.

طول الطريق، قلبي كان بيخبط بعنف.

مش عارفة رايحة أنقذه… ولا أودعه.

وصلنا المستشفى.

ريحة المطهرات ضربتني أول ما دخلت، نفس الريحة اللي عشت فيها شهور.

ممرضة أول

ما شافتني قالت بسرعة:
“الحمد لله إنك جيتي.”

جريت ناحية الأوضة.

فتحت الباب…

وسيد كان على السرير، وشه أصفر بشكل يخوف، وأجهزة كتير متوصلة بيه.

أول ما شافني، فتح عينه بالعافية.

وابتسم ابتسامة صغيرة متعبة:
“كنتي هتمشي من غير ما تودعيني؟”

حسيت دموعي قربت تنزل، لكني تماسكت.

قربت منه:
“إيه اللي عمل فيك كده؟”

ضحك بخفة وهو بيتألم:
“يمكن ربنا بيحاسبني بدري.”

زعقت فيه بعصبية:
“بطل كلام فارغ.”

سكت شوية، وبعدين قال بصوت مبحوح:
“ياسين كويس؟”

هزيت راسي:
“كويس.”

غمض عينه كأنه ارتاح.

وبعدين فتحها تاني وقال:
“مريم… أنا عارف إني أذيتك.”

ما رديتش.

كمل وهو بياخد نفسه بصعوبة:
“بس أقسم بالله… عمري ما حبيت حد قدك.”

الدموع نزلت مني غصب.

لأني لأول مرة حسيته بيتكلم بصدق… بعد ما الوقت كله ضاع.

مد إيده المرتعشة ناحيتي:
“سامحيني.”

بصيت لإيده ثواني طويلة.

كل الوجع… والإهانة… والسنين اللي فاتت… عدوا قدامي في لحظة.

لكن برضه…

مسكت إيده.

وساعتها الجهاز اللي جنبه بدأ يصفر فجأة بصوت عالي.

الممرضات جريوا بسرعة.

الدكتور دخل وهو بيزعق:
“اطلعوا بره حالًا!”

إيدي اتسحبت من إيده بالعافية.

وسيد

كان لسه بيبصلي…

بنفس النظرة.

الباب اتقفل بينا.

وأنا واقفة في الممر…

قلبي لأول مرة ماكانش عارف يدعي له يعيش…

ولا يرتاح.وقفت قدام باب العناية، رجلي مش شايلاني.

صوت الأجهزة من جوه، جري الممرضات، والدكتور اللي بيطلع أوامر بسرعة… كل حاجة كانت عاملة دوشة حواليا، بس جوايا أنا كان فيه صمت مرعب.

قعدت على الكرسي المعدني في الممر، وحطيت وشي بين إيديا.

وفجأة افتكرت أول يوم شوفته فيه.

كان واقف قدام عربية الفول، بيشتري سندوتشين وبيضحك مع صاحبه. ساعتها افتكرته راجل بسيط وهيعرف قيمة التعب.

ماكنتش أعرف إن الحب ساعات بيخليك تعيش عمرك كله مستني نسخة من حد عمره ما كان موجود أصلًا.

الباب اتفتح فجأة.

قمت مفزوعة.

الدكتور خرج وهو بيشيل الكمامة:
“إحنا قدرنا نثبته مؤقتًا… بس حالته خطيرة جدًا.”

بلعت ريقي:
“يعني إيه؟”

اتنهد:
“الكلى شبه متوقفة تمامًا… ولو ما حصلش تدخل سريع، جسمه هيبدأ ينهار.”

الضابط اللي كان واقف بعيد قرب وقال:
“مينفعش العملية تتم دلوقتي.”

الدكتور رد بعصبية:
“يبقى حضروا نفسكم للأسوأ.”

الكلمة نزلت على قلبي تقيلة.

دخلت أشوفه بعد شوية.

المرة دي كان أهدى.

ضعيف جدًا…

كأنه كبر عشرين سنة في يوم واحد.

قعدت جنبه من غير كلام.

هو اللي اتكلم الأول:
“فاكرة أول دهب جبتهولك؟”

بصيت له باستغراب.

ابتسم بتعب:
“كان خاتم رخيص… واتكسف أقولك.”

رغم نفسي ضحكت وسط دموعي:
“وأنا عملت نفسي مصدقة إنه دهب إيطالي.”

ضحك بخفة… وبعدها اتألم وسكت.

الصمت بينا كان مليان حاجات أكتر من الكلام.

بعد شوية قال بصوت مبحوح:
“لو جرالي حاجة… خدي بالك من ياسين.”

غمضت عيني.

“بلاش الكلام ده.”

هز راسه بالعافية:
“وعديني.”

بصيت له طويل.

مهما كان بينا خراب… الراجل ده فضل جزء من عمري.

قلت بصوت مهزوز:
“أوعدك.”

ارتاح شوية بعد الكلمة.

وفجأة مد إيده تحت المخدة وطلع ظرف صغير.

“ده ليكي.”

أخدته باستغراب:
“إيه ده؟”

“افتحيه بعدين.”

قبل ما أسأله، دخلت الممرضة وقالت لازم يريح.

خرجت وأنا ماسكة الظرف وقلبي بيتقطع.

فتحت الظرف في آخر الممر.

لقيت عقد شقة باسمي.

وشوية ورق لتحويل محل صغير ليا أنا وشهد.

وفي آخر ورقة… جواب بخط إيده.

“عارف إني جيت متأخر، بس حاولت أصلح اللي أقدر عليه قبل ما أمشي.
شهد تستحق مستقبل أحسن… وإنتي تستحقي تعيشي من غير خوف.
أما ياسين… فهو أكتر حد بريء فينا

كلنا.
لو ربنا اداني عمر، هقضي الباقي أصلح اللي كسرته.
ولو ما ادانيش… افتكريني مرة واحدة بس من غير كره.”

الجواب وقع من إيدي وأنا بعيط بصمت.

وفي اللحظة دي، سمعت صوت جهاز الإنذار يصرخ من جوه الأوضة تاني.

لكن المرة دي…

الصوت كان أطول.

تم نسخ الرابط