دخلت حفلة الشركة

لمحة نيوز

الساعة كانت داخلة على تسعة بالليل، وقاعة فندق النيل رويال في جاردن سيتي بتنور كأنها قطعة دهب مرمية على ضفة النيل. موسيقى هادية، ضحكات مصطنعة، كاسات كريستال بتخبط في بعض، وستات لابسة فساتين بملايين ووشوشهم مليانة توتر أكتر من الفرح. الحفلة السنوية لشركة السلحدار للتطوير والاستثمار كانت أهم ليلة في السنة الليلة اللي أكرم السلحدار بيحب فيها يستعرض نجاحه قدام رجال الأعمال، السياسيين، الصحافة، وكل الناس اللي بيشتري احترامهم بالفلوس.
وأنا كنت داخلة أهد كل ده فوق دماغه.
العربية وقفت قدام الفندق، والسواق فتح الباب، فنزلت بالكعب الأسود الرفيع، والفستان الأحمر القطيفة لازق على جسمي كأنه معمول عشاني مخصوص. أول مرة في حياتي أحس إني مش مستخبية مش باهتة مش مجرد زوجة محترمة متحطوطة جنب جوزها كإكسسوار.
جمال نزل من الناحية التانية، وقف جنبي، وبصلي نظرة طويلة وقال بهدوء جاهزة؟
خدت نفس عميق وأنا ببص لباب الفندق مستنية اللحظة دي من يوم ما عرفت.
دخلنا القاعة سوا وإيده ماسكة إيدي بثبات.
في ثانيتين بالظبط، المكان كله اتقلب صمت.
العينين اتسمرت علينا، والهمسات ابتدت تلف بين الترابيزات زي النار في البنزين.
وأكرم
كان واقف وسط مجموعة رجال أعمال بيضحك بصوت عالي، أول ما لمحني، الضحكة ماتت على وشه فجأة. عنيه نزلت على إيدي اللي ماسكاها جمال وبعدها على الفستان الأحمر.
وشه شحب بطريقة مرعبة.
أما

رانيا كانت واقفة جنب المسرح بتتكلم مع واحدة من الصحافة، ولما شافت جمال ماسكني، الكاس وقع من إيدها واتكسر على الأرض، والعصير اتناثر على فستانها الأبيض.
الناس كلها سكتت.
وأنا؟ كنت ماشية بثبات، رافعة راسي، لأول مرة من سنين مش حاسة إني مكسورة.
أكرم جري علينا بسرعة وهو بيحاول يضحك قدام الناس ميرفت! إيه المفاجأة الحلوة دي؟
ابتسمت ببرود قولت أشاركك أهم ليلة في حياتك يا أكرم.
عينه كانت بتترعش، وبص لجمال وأستاذ جمال هنا ليه؟
جمال ضحك ضحكة قصيرة موجوعة 
رانيا قربت بسرعة وهي بتحاول تسيطر على ارتباكها جمال ممكن نتكلم لوحدنا؟
جمال لف لها ببطء الكلام خلاص بقى قدام الكل.
الهمسات علت أكتر.
أكرم شدني من دراعي بعنف وهو بيبتسم للناس إنتِ اتجننتي؟
بصيت لإيده اللي ماسكاني وقلت بهدوء سيب دراعي 
سابني فوراً كأن إيدي نار.
أكرم حاول يضحك واضح إن فيه سوء تفاهم.
الصمت بقى مرعب.
أكرم لف له ببطء إنت بتقول إيه؟
واحدة واحدة، الوجوه حوالينا بدأت تتبدل من فضول لرعب.
رئيس مجلس الإدارة خطف الأوراق من إيد جمال، ووشه قلب وهو بيقلب فيها.
أكرم إيه ده؟
أكرم اتلعثم دي دي مصاريف شغل عادية.
جمال رد فوراً ب ٣ مليون و٤٠٠ ألف جنيه؟ شغل إيه اللي بيتصرف عليه جناح رئاسي في الجونة كل أسبوع؟
رانيا بدأت تعيط أكرم قولهم حاجة!
بس أكرم نفسه كان بيغرق.
وأنا واقفة ببص له لأول مرة أشوفه ضعيف.
الراجل اللي كان
دايماً محسسني إني صغيرة إني محتاجة له إني من غيره ولا حاجة
كان بيتفتت قدامي.
فجأة، صوت جه من آخر القاعة الشرطة وصلت يا فندم.
كل الرؤوس اتلفتت.
أكرم بص لجمال بصدمة إنت بلغت؟!
جمال رد ببرود قبل الحفلة بساعة.
القاعة انفجرت همسات وصريخ.
رانيا مسكت في أكرم وهي شبه منهارة إحنا هنروح في داهية!
وأنا كنت ببصلها بهدوء غريب.
هي الست اللي خدت جوزي كسرت بيتي وكانت فاكرة نفسها انتصرت.
دلوقتي كانت ماسكة في بدلته زي الغريق.
الضباط دخلوا القاعة، والناس بدأت تبعد عن أكرم كأنه وباء.
واحد من الضباط قال أستاذ أكرم السلحدار؟ حضرتك مطلوب للتحقيق في قضايا اختلاس وتلاعب مالي.
أكرم حاول يتمالك نفسه أنا عندي محامي.
الضابط رد هتقول كل حاجة في القسم.
وفي اللحظة دي، أكرم بص لي.
أول مرة من سنين يبصلي بالخوف ده.
مش خوف إنه يخسرني خوف إنه يخسر نفسه.
قرب مني وقال بصوت مبحوح ميرفت إنتِ عملتي فيا كده؟
ابتسمت وأنا حاسة إن حمل سنين بيتشال من فوق صدري لا يا أكرم إنت اللي عملت في نفسك كده.
اتاخد قدام الكل.
ورانيا انهارت على الأرض وهي بتعيط، بينما الصحافة بدأت تصور، والموظفين بيتفرجوا بذهول على الإمبراطورية وهي بتقع في لحظة.
بس اللي محدش كان يعرفه
إن النهاية الحقيقية لسه ماجتش.
بعد أسبوعين، الشركة أعلنت إفلاسها رسميًا.
الصحف كانت كل يوم تنشر فضيحة جديدة عقود وهمية غسيل أموال رشاوي تهرب ضريبي
وأكرم اتحبس
على ذمة التحقيق.
وفي وسط كل الخراب ده
أنا كنت قاعدة في شقتي الهادية أول مرة من سنين، بشرب قهوتي من غير خوف، ومن غير ما أستنى راجل راجع من كدبة جديدة.
جمال كان بيكلمني أحيانًا يطمن عليا، بس علاقتنا عمرها ما كانت حب بالشكل اللي الناس فهمته.
إحنا كنا اتنين اتكسروا وساعدوا بعض يقوموا.
وفي يوم، وأنا برتب الدولاب، لقيت الفستان الأحمر متعلق لوحده.
ابتسمت ولمسته بهدوء.
الفستان اللي أكرم قال عليه رخيص وسهتنة كان هو نفسه الفستان اللي شهد سقوطه.
وساعتها بس فهمت الحقيقة اللي كنت غبية ومش شايفاها طول السنين
إن الست لما تسكت كتير، الناس بتفتكرها ضعيفة
لكن الحقيقة؟ إن أخطر لحظة في عمر أي ظالم هي اللحظة اللي الست المكسورة تبطل تعيط وتقرر ترد.
بعد سقوط أكرم بأسبوعين، القاهرة كلها كانت بتتكلم عن فضيحة السلحدار جروب. البرامج الاقتصادية، صفحات السوشيال ميديا، جروبات رجال الأعمال حتى الستات في الكوافيرات بقوا يحكوا الحكاية كأنهم كانوا قاعدين معانا جوه القاعة ليلة الكارثة.
بس محدش كان يعرف إن اللي حصل في الحفلة كان مجرد أول طوبة وقعت أما العمارة كلها؟ فكانت لسه بتنهار.
أنا كنت قاعدة في شقتي في سموحة بالإسكندرية، حاطة اللاب قدامي، وبراجع ملفات المحامين. أول مرة من سنين البيت يبقى هادي بالشكل ده مفيش صوت مفاتيح أكرم وهو داخل متعصب، مفيش مكالمات سرية في البلكونة، مفيش ريحة برفان نسوان غريبة
على قمصانه.
الغريب إن الهدوء نفسه كان بيوجع.
لأن بعد 12 سنة جواز، حتى
 

تم نسخ الرابط