فتحت باب الحمام

لمحة نيوز


شاحب بشكل مرعب، وعينيها مليانين دموع محبوسة مش قادرة تنزل.
همست كنت بنزف
الكلمة قسمتني نصين.
مدام سناء أخدت نفس طويل وقالت بحدة مراتك كانت ممكن تفقد البيبي النهارده.
البيبي.
أنا حتى ماكنتش أعرف إن فيه بيبي أصلًا.
بصيت لاختبار الحمل فوق الحوض. الخطين الورديين بقوا أوضح من أي حاجة تانية في الحمّام.
ندى بلعت ريقها بالعافية وقالت كنت عايزة أقولك النهارده كنت مستنياك ترجع بدري.
افتكرت رسالتها وبعدها هحكيلك.
يا رب
يا رب أنا عملت إيه؟
بصيت لكريم، ولسه جزء جوايا بيرفض يصدق الصورة اللي شافها.
قلت بصوت مبحوح إنت جيت هنا إزاي؟
كريم ضحك ضحكة قصيرة كلها تعب وقال لأنها اتصلت بيا بعد ما حاولت تكلمك خمس مرات.
الكلمة نزلت في بطني زي حجر.
خمس مرات.
مدّ موبايلي ناحيتي. كان لسه في جيبه. أنا أصلًا نسيته في العربية على الصامت.
خمس مكالمات فائتة.
وثلاث رسايل.
الأخيرة كانت أنا خايفة.
حسّيت إني عايز أرجع بالوقت عشر ساعات بس عشر دقايق حتى.
أي حاجة تمنع اللحظة دي.
ندى بدأت تبكي أخيرًا.


مش بكاء عالي. البكاء الوحش اللي بيطلع من حد خلص كل طاقته.
قالت صحيت ولقيت دم كتير حاولت أقوم وقعت كلمتك مردّتش فكرت هضيع لوحدي
كريم بصلي وقال أنا كنت أقرب حد رد.
مدام سناء بدأت تقيس نبضها، وطلبت مني أجيب بطانية بسرعة.
اتحركت أخيرًا، لكن رجلي كانت تقيلة كأني ماشي تحت الميه.
وأنا بجيب البطانية من الأوضة، عيني وقعت على حاجة فوق الكومود.
علبة صغيرة ملفوفة بشريط أصفر.
كان مكتوب عليها بخط ندى لبابا.
وقتها صدري كله وجعني.
فتحتها بإيد بترتعش.
جواها كان فيه شراب أطفال صغير جدًا وصورة سونار.
أنا كنت هبقى أب.
وهي كانت ناوية تقولي النهارده.
لكن بدل ما أكون جنبها دخلت الحمّام وأنا شايفها خاينة.
رجعت وأنا مش قادر أبص في عينها.
قعدت جنبها على الأرض المبلولة.
قلت بصوت متكسر أنا آسف
ندى قفلت عينيها كأن الاعتذار متأخر قوي.
مدام سناء قالت الاعتذار بعدين. لازم تنزلوا المستشفى حالًا.
كريم ساعدني نشيلها.
وأنا أول مرة أحس قد إيه أخويا كان ثابت أكتر مني.
في العربية، ندى كانت ساكتة
طول الطريق. ماسكة بطنيها بإيد، وإيدي بالإيد التانية.
بس برود صوابعها كان مرعب.
كل إشارة كنا بنقف عندها كانت بتقتلني.
كل ثانية بفكر لو خسرتهم؟ لو أنا السبب؟
وصلنا الطوارئ، والدكاترة دخلوها فورًا.
وسابوني أنا وكريم قاعدين بره تحت ضوء أبيض بارد يخلي أي بني آدم يحس بالذنب.
لأول مرة من سنين ماكنّاش بنتخانق.
ولا بنتكلم أصلًا.
بعد حوالي نص ساعة، كريم قال بهدوء إنت فاكر يوم وفاة بابا؟
بصيتله باستغراب.
قال أنا وقتها كنت واقف جنب المستشفى وإنت كنت جوا ماسك إيده.
سكت ثانية.
عمري ما كرهتك على إنك كنت موجود قبلي.
الكلمة ضربتني في قلبي.
لأن ده بالضبط اللي أنا عملته فيه.
حكمت عليه من منظر ومن خوفي.
الدكتور خرج بعد ساعة تقريبًا.
قلبي وقف.
قال الحمل لسه مستقر لكن لازم راحة تامة. الضغط النفسي كان خطر جدًا.
ركبي تقريبًا خانوني من الراحة.
دخلتلها الأوضة بعدها.
ندى كانت نايمة بتعب، المحلول في إيدها، وشها أهدى شوية.
قربت ببطء.
فتحت عينيها أول ما حسّت بيا.
فضلت باصةلي كام ثانية
طويلة.
قلت أنا خوّفتك بدل ما أحميكي.
دمعة نزلت من عينها بهدوء.
وقالت وأنا خوّفت إني أخسرك أول ما عرفت.
قعدت جنبها، وسندت راسي على إيدها.
لأول مرة فهمت إن الثقة مش إنك ما تشكش أبدًا
الثقة إنك لما الدنيا تديك أسوأ صورة ممكنة تستنى الحقيقة قبل ما تكسر قلب حد بتحبه.
بعد أسبوعين، رجعنا البيت.
مدام سناء طلعتلنا بشوربة سخنة كعادتها، وكريم كان بيصلّح باب الحمّام اللي أنا خبطته بعنف يومها.
وقفت أبصله وهو بيركب المفصلة الجديدة.
قلتله أنا آسف.
رد من غير ما يبصلي عارف.
قلت بس أنا فعلًا كسرتك بالكلام.
سكت شوية وبعدين قال المهم ما تكسّرش بيتك.
في الليلة دي، وأنا واقف في المطبخ، ندى دخلت بهدوء.
حطيت إيدي على بطنها.
ابتسمت لأول مرة من يوم الحادثة.
وقالت فاكر أول حاجة قولتهالي بعد الجواز؟
ابتسمت رغم وجعي إني عمري ما هسيبك لوحدك.
ندى سندت راسها على صدري وهمست خليك فاكرها.
بصيت على انعكاسنا في إزاز المطبخ أنا، وهي، والحياة الصغيرة اللي نجت بأعجوبة.
وفهمت إن أخطر حاجة ممكن تدمر
أي بيت مش الخيانة.
الخوف.
لأن الخوف بيخليك تشوف أسوأ الناس في أكتر الناس حبًّا ليك.

 

تم نسخ الرابط