انا عايزة خدامه

لمحة نيوز

فكانت واقفة مكسوفة، بتحاول تستخبى ورا طرحتها وهي بتقول ربنا يتمم على خير.
ومن اليوم ده كل حاجة اتغيرت.
أمي بقت مدلعاها بشكل مبالغ فيه، تمنعها تنزل المطبخ، وتزعق لنهلة لو سابتها تعمل أي مجهود.
ولأول مرة نهلة بقت هي اللي تقوم بدور الخدامة الحقيقي.
ترجع من شغلها تعبانة تلاقي أمي بتقولها سخني الأكل لهنا. اعمليلها عصير. خلي بالك منها دي حامل.
كنت شايف الضيق في وشها لكن هي اللي اختارت الطريق ده بنفسها.
ومع ذلك عمر هنا ما اتكبرت عليها. بالعكس، كانت كل شوية تقول سيبيها يا طنط وأنا أعمل. لكن أمي كانت تمنعها.
وفي ليلة صحيت على صوت عياط خافت جاي من البلكونة.
خرجت لقيت نهلة واقفة لوحدها بتعيط بصمت.
أول ما شافتني مسحت دموعها بسرعة وقالت متقلقش أنا كويسة.
لكن لأول مرة من سنين حسيت إنها مكسورة فعلًا.
قعدت جنبها وسألتها إنتِ زعلانة عشان هنا حامل؟
سكتت شوية وبعدين قالت بصوت مهزوز أنا اللي عملت كده في نفسي. كنت فاكرة إني أقدر أعيش من غير بيت ومن غير مشاعر فاكرة إن الشغل أهم من أي حاجة. بس فجأة حسيت إن كل حاجة بتبعد عني.
بصتلها وسكت لأني لأول مرة أفهم إنها مكانتش قاسية، هي بس كانت طول عمرها خايفة. خايفة تقع خايفة حد يكسرها فكانت بتحط الشغل قبل أي إحساس.
وفجأة قالت وهي بتبص بعيد تعرف أكتر حاجة وجعتني إيه؟ إن هنا رغم كل اللي حصل عمرها ما أذتني.
الكلمة خلتني أفكر كتير.
هنا كانت تقدر تشمت أو تستغل
حب أمي ليها لكنها عمرها ما حاولت تاخد مكان نهلة.
وفي الأيام اللي بعدها الغريب إن العلاقة بينهم بدأت تتغير.
نهلة بقت تساعد هنا بنفسها، وهنا بقت تستناها ترجع من الشغل عشان ياكلوا سوا. والبيت اللي كان مليان ترتيب بارد بدأ يبقى فيه دفا لأول مرة.
لحد يوم الترقية.
نهلة رجعت البيت وهي ماسكة الورق وعينيها بتلمع. أول واحدة حضنتها كانت هنا.
وقالتلها بفرحة حقيقية كنت عارفة إنك هتنجحي.
ونهلة وقتها بصتلها وسألتها فجأة لو رجع بيكي الزمن كنتِ توافقى على الجوازة دي؟
هنا ابتسمت بهدوء وقالت يمكن عشان ربنا كان عايز يجمعنا كلنا بطريقة غريبة.
وفي الليلة دي نهلة دخلت أوضتي بعد شهور طويلة من البعد، وقعدت قدامي وقالت أنا مش عايزة أكون ست شغل وبس أنا عايزة أرجع أعيش.
ولأول مرة حسيت إننا التلاتة مش أعداء، ولا حد كسب وحد خسر.
إحنا بس كنا ناس تايهة وكل واحد فينا كان بيدور على مكانه الحقيقي الظرف وقع على الأرض كأنه حجر تقيل
ثواني وسكون غريب مسك المكان.
مددت إيدي له بس قبل ما ألمسه، نهلة صرخت استنى!
بصتلها مستغرب فجأة وشها اتغير، كأنها شافت حاجة كانت مستخبية طول الوقت.
هنا كانت واقفة جنب الحيطة، بتتنفس بسرعة، وقالت بصوت مهزوز ده مش ظرف عادي ده اتساب مخصوص ليك إنت.
الراجل اللي واقف عند الباب ضحك ضحكة قصيرة أخيرًا بدأنا نوصل للحقيقة.
أمي اتعصبت حقيقة إيه؟ انتوا بتتكلموا بألغاز ليه؟
لكن محدش رد عليها.
أنا مسكت
الظرف فتحته بإيدي اللي كانت بترتعش.
جواه ورقة واحدة
مش عقد مش تقرير
كانت رسالة مكتوبة بخط إيد مش غريبة عليا.
لو وصلت لك الرسالة دي يبقى اللعبة اتكشفت نص كشف. اللي في بيتك مش صدفة واختيار الجوازات اللي حصل مش عشوائي في حد كان بيراقبك من سنين، وبيحرك كل خطوة من غير ما تحس.
حسيت بدوخة خفيفة.
رفعت عيني لقيت هنا بتبصلي وكأنها عارفة الكلام ده من زمان.
قلت لها إنتي كنتي عارفة؟
سكتت سكتة أطول من اللازم.
وبعدين قالت أنا ماكنتش عارفة كل حاجة بس كنت حاسة إننا مش بنعيش حياتنا لوحدنا.
الراجل قرب خطوة وقال اللي حصل في الجوازتين كان ترتيب لاختبار مش حب ولا صدفة.
أمي صرخت اختبار إيه يا مجنون انت؟
الراجل بصلي مباشرة وقال اختبار ليك إنت بالذات.
سكت لحظة، وبعدين كمل
في ملف كبير باسمك ولو فتحناه بالكامل، هتعرف إن كل قرار أخدته في آخر سنة كان متسجل عليك قبل ما تاخده أصلاً.
ساعتها البيت كله دخل في حالة صمت مرعب.
وفجأة
نور الشقة قطع.
الظلام دخل مرة واحدة.
وصوت باب الشقة اتقفل بالمفتاح من برا.
ومن ورا الباب سمعنا صوت واحد بس قال بهدوء شديد
دلوقتي نبدأ الجزء الحقيقي من التحقيق في الظلام اللي عمّ الشقة، ماكنش مسموع غير نفسنا.
أمي كانت بتدور في الفوضى وهي بتصرخ افتحوا الباب! إيه اللي بيحصل؟
نهلة مسكت في إيدي بقوة لأول مرة من غير ما تتكلم وهنا كانت بتعيط بصمت وهي حاضنة بطنها.
أما أنا فكنت واقف قدام الباب
المقفول، وإحساس غريب بيقولي إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد جوازات وبيت وعيلة.
فجأة صوت تكة خفيفة جت من ناحية الكهرباء.
النور رجع.
والباب اتفتح لوحده.
بس مفيش حد كان واقف بره.
الراجل اختفى.
ولا أي أثر ليه.
سكون غريب كأن اللي حصل كله كان مشهد واتسحب.
لكن على الأرض كان في ظرف تاني جديد.
مكتوب عليه النتيجة ظهرت.
مسكت الظرف وأنا قلبي بيدق بسرعة فتحته.
جواه ورقة واحدة بس
الاختبار انتهى. واختيارك النهائي هو اللي هيحدد اللي جاي.
بصيت حواليا لقيت نهلة بتبصلي بقلق، وهنا واقفة بتترعش، وأمي ساكتة لأول مرة من غير صوت.
وفجأة فهمت
إن كل اللي حصل مش كان لعبة حد بيحركها من بره لكن كان اختبار حقيقي ليا أنا.
اختبار مين هختار اللي بدأت حياتي معاها بالراحة والاستقرار؟ ولا اللي دخلت حياتي من غير صوت بس غيرتها من جوه؟
سكت لحظة طويلة
وبعدين حطيت الظرف على الترابيزة، وقولت بهدوء
مفيش اختيار اسمه واحدة وتمشي والتانية تكمل كأن مفيش حاجة حصلت.
بصوا لي كلهم باستغراب.
كملت أنا اللي هصلّح اللي اتكسر مش هكمل على كسر حد فيكم.
نهلة دموعها نزلت وهنا بصتلي وسألت يعني إيه؟
قلت يعني هنبدأ من الأول بس من غير لعب ولا اختبارات ولا تحكم.
أمي سكتت شوية وبعدين قالت بهدوء والبيت؟
ابتسمت البيت يتبني من جديد على الهدوء مش على الخطة.
وفي اللحظة دي أول مرة في البيت كله ماكانش في حد منتصر ولا حد خسران.
كان في قرار واحد بس إن
اللي جاي يتبني بصدق مش بترتيب.
والشقة اللي كانت مليانة أسرار بقت لأول مرة بيت فعلاً.

تم نسخ الرابط