اول خبطة
أول خبطة بالمفتاح الإنجليزي ما وجعتنيش قد ما ضحكتهم وهم شايفين دمي نازل كانت موجعة ساعتها بس فهمت إني طول عمري كنت قاعدة وسط عيلة مستنية اللحظة اللي تكسرني فيها.
ريحة الدم ليها طعم مستحيل يتنسي حديد مرّ ولسعة بتقلب معدتك.
العشا الليلة دي بدأ بشكل مثالي زيادة عن اللزوم ترابيزة سفرة متجهزة كأنها معرض، وأمي نادية مطلعة طقم الصيني اللي ممنوع ألمسه من وأنا صغيرة، كله علشان تبهر كريم حبيب أختي الجديد.
أختي مي كانت طايرة من الفرحة وهي بتقدمه بفخر كريم شغال في بنك استثماري كبير في القاهرة الجديدة.
وأنا؟
كنت قاعدة في مكاني المعتاد آخر الترابيزة جنب الشباك اللي بيسرب هوا. مكاني اللي دايمًا بيحسسني إني ضيفة تقيلة وسطهم.
فضلت أزق الرز بالشوكة وأنا بحاول أبقى غير مرئية لكن كريم ماكنش بيبطل يبصلي.
نظراته ماكنتش فضول كانت نظرات تقيلة، فيها استحقار غريب وكأنه بيفحصني.
فجأة قال وهو مقاطع كلام مي وانتي يا إيمي بتشتغلي إيه؟
الترابيزة كلها سكتت.
بلعت ريقي وقلت بهدوء أخصائية اجتماعية بشتغل مع شباب وأطفال معرضين للخطر في شبرا.
كريم رجع بضهره للكرسي وابتسم ابتسامة مستفزة غريبة ليه حد يختار شغل كئيب بالشكل ده؟
خدت نفس وقلت علشان بيفرق. الشهر اللي فات ساعدت بنت عندها ١٦ سنة كانت
صوت أمي قطعني بعنف ما تضيعيش وقت كريم بحكاياتك الكئيبة يا
الإهانة كانت حاجة متعودة عليها لكن المرة دي حاجة جوايا اتكسرت.
يمكن بسبب ابتسامة كريم المستفزة
أو بسبب هزة راس أبويا وهو موافق على كلامها كأنه قانون.
رفعت عيني وبصيت لأمي على الأقل شغلي بيساعد ناس فعلًا مش زي قعدة التصوير والفشخرة على السوشيال ميديا علشان تبانوا أغنيا قدام الناس.
ما لحقتش حتى أشوف الحركة.
في ثانية الدنيا كلها انفجرت نور أبيض ووجع.
طاااخ.
مفتاح إنجليزي حديد خبط في وشي بكل قوة.
الكرسي اتقلب بيا، وجسمي اترمى على الأرض، ودماغي خبطت في الباركيه خبطة خلت الدنيا تسود قدامي.
بصيت لفوق وسط الزغللة
لقيت أمي واقفة فوق راسي، ماسكة المفتاح وعينيها كلها كره وجنون.
وبعدين سمعت الحاجة اللي كسرتني بجد
الضحك.
مي كانت بتموت من الضحك أهو بقى شكلك أحلى! يا نهار أبيض على وشها!
أما كريم؟
الراجل المحترم المثقف؟
كان بيضحك هو كمان ضحكة عالية طالعة من قلبه، كأن دمي ونفسي المقطوع نكتة الموسم.
مسحت مي دموع الضحك وقالت بشماتة لا لا خبطة واحدة مش كفاية.
الرعب جمد دمي.
بدأت أزحف لورا وأنا بحاول أحمي وشي بإيديا، لكن فجأة حسيت بإيدين قوية ماسكين دراعاتي بعنف.
أبويا.
ما حاولش يساعدني
ما اتصلش بالإسعاف
ثبتني في الأرض كأني مجرمة.
وقال ببرود مرعب اهدي يا إيمي.
رفعت عيني وأنا بصرخ من الألم
وشفت
وقالت يلا يا مي دوري انتي. علميها الأدب.
مي مسكت المفتاح الإنجليزي بإيد مرتعشة في الأول لكن أول ما أمي بصتلها وقالت بحدة
اعملي اللي قولتلك عليه.
وش مي اتغير.
الضحكة اختفت وحل مكانها توتر غريب.
قربت مني خطوة وأنا لازلت مثبتة تحت إيدين أبويا، الدم نازل على رقبتي وبيغرق ياقة البلوزة.
همست وأنا ببص لها برجاء مي بالله عليكي.
إيديها ارتعشت أكتر.
لكن أمي صرخت اضربي!
وفجأة
رن جرس الباب بعنف.
الكل اتخض.
مرة واتنين وتلاتة.
الجرس كان بيتضغط بطريقة هستيرية.
أبويا سابني وهو بيزعق مين المجنون ده؟!
لكن قبل ما يوصل للباب
صوت جه من بره، صوت راجل غاضب افتح يا أستاذ سامح! افتح حالًا!
قلبي وقف.
الصوت ده أنا عارفاه.
الدنيا كانت بتلف حواليا، لكني عرفت أمي وهي بتهمس بخضة إزاي عرف؟!
أبويا فتح الباب بعصبية
ولأول مرة في حياتي شفته بيتراجع خطوة لورا بخوف.
الواقف قدامه كان اللواء عادل منصور.
أبويا اتلعثم يا يا فندم؟
اللواء دخل بعينين مولعين غضب، ووراه اتنين عساكر.
أول ما شافني مرمية على الأرض والدم على وشي ملامحه اتبدلت بالكامل.
ركع جنبي بسرعة إيمي!
مي شهقت حضرتك تعرفها؟!
بص لهم ببطء وقال الجملة اللي قلبت البيت كله جحيم
دي بنت أختي.
الصمت وقع على المكان كأنه قنبلة.
أمي وشها اصفر. أبويا اتجمد. حتى
أنا نفسي ما استوعبتش.
بصيتله بذهول خالو؟
عينه لمعت بالحزن أمك قالتلك إني مت من سنين صح؟
الصدمة شلتني.
افتكرت كل مرة كنت أسأل عن أخو ماما كانت بتقلب خناقة. كل الصور القديمة اللي اختفت. كل الكدب.
اللواء قام ببطء وبص لأمي نظرة مرعبة أنا سيبتها لكم أمانة بعد وفاة أبوها الحقيقي وإنتو عملتوا فيها كده؟
كريم همس بصدمة أبوها الحقيقي؟!
اللواء لف ناحيته أيوه. إيمي مش بنت سامح أصلًا.
الدنيا انفجرت حواليا.
أبويا المزيف بدأ يصرخ نادية! انتي قولتي البنت عمرها ما هتعرف!
لكن أمي انهارت فجأة وهي بتزعق بعصبية ماكانش بإيدي! أبوها كتب كل ثروته باسمها! لو عرفت الحقيقة كانت هتاخد كل حاجة وتسيبنا في الشارع!
قلبي وقع.
كل السنين دي الكره الإهانة الضرب
علشان فلوس؟
اللواء بص للعساكر وقال ببرود قبضوا عليهم.
أمي جريت تصرخ. أبويا حاول يقاوم. لكن لأول مرة محدش كان أقوى.
أما مي فكانت واقفة بتبصلي بانهيار وهي تبكي إيمي والله مكنتش أقصد ماما كانت طول عمرها بتقول إنك سبب خراب حياتنا.
بصيتلها وأنا حاسة إن قلبي متخدر.
يمكن لأول مرة فهمت إننا كلنا كنا ضحايا واحدة زرعت السم جوانا سنين.
بعدها بأسبوعين
عرفت الحقيقة كاملة.
أبويا الحقيقي كان رجل أعمال كبير، ولما مات سلّم خالي الوصاية عليا مؤقتًا لحد ما يخلص قضية تهديدات كانت حوالين الورث.
لكن أمي استغلت سفر خالي بره مصر، وزورت أوراق وخبت وجوده عني سنين.
وفي النهاية؟
اتحكم على أمي