امي كانت بين الحياة والموت

لمحة نيوز

أمي كانت بين الأجهزة والعمليات لمدة ٩٠ يوم وجوزي ما دخلش باب المستشفى حتى 
وبعد سنة كاملة، أول ما أمه وقعت من على السلم، بعتلي رسالة
انزلي المستشفى حالًا لازم تهتمي بأمي.
بس اللي ماكنش يعرفه إني لسه محتفظة بورقة صغيرة صفراء، وتحويل بنكي، وإمضا قادرة تهد كل الصورة المثالية اللي كانوا عايشين بيها قدام الناس.
اسمي سلمى، عندي ٣٥ سنة، ولفترة طويلة كنت فاكرة إن السكوت قوة وإن الست الشاطرة هي اللي تستحمل وتسند الكل حتى وهي بتقع.
كنت بشتغل في شركة استثمار، وبجري طول اليوم بين الشغل والمستشفى، أحاول أقنع نفسي إن كل ده هيعدّي لو استحملت شوية كمان.
بس فيه نوع من البرود الست عمرها ما بتنساه.
وبرودي بدأ يوم ما اتصلت بجوزي كريم أقوله إن أمي، الحاجة نوال، عندها سرطان في المعدة ولازم تدخل عملية بسرعة.
المكالمة كلها خدت ٤٧ ثانية.
سبعة وأربعين ثانية بس.
ده كان الوقت اللي خبر قسّم حياتي نصين استحقه عنده.
وبعدين بدأت الأيام الطويلة.
ريحة المطهرات.
سندوتشات المستشفى الباردة.
صوت الأجهزة بالليل.
والخوف اللي قاعد فوق صدري كأنه حجر.
كنت أقعد مع أمي الليل كله، أروح الشغل الصبح، أرجع المستشفى الضهر، وبعدها أرجع الشركة تاني، وبعدين المستشفى.
أما كريم؟
دايمًا عنده حجة.
اجتماع مهم.
عشا شغل.
ضغط آخر السنة.
مشغول.
مرهق.
أي حاجة إلا إنه ييجي يشوف مراته وهي بتنهار جنب أمها.
أمي كانت خارجة من عملية استئصال

كبيرة، متوصلة بأنابيب، وبتتعلم تاكل من أول وجديد.
وجوزي الراجل اللي متجوزاه بقاله سبع سنين ماكانش قادر يدخل الأوضة مرة واحدة حتى.
بس أسوأ حاجة ما كانتش غيابه.
كانت طريقته.
بروده.
صوته وهو بيقولي
هاتي ممرضة وخلاص.
كأني بدلع.
كأن تعبي ومصاريف أمي وخوفي مشكلة تخصني لوحدي.
أما عيلته؟
فدي حكاية تانية.
ليلة رأس السنة، وأنا بأكل أمي في المستشفى، حماتي اتصلت تصرخ عشان ما روحتش أعمل الجمبرى عندها.
ولما شرحتلها إن أمي ماينفعش تتساب، قالت جملة لحد النهارده بتحرقني
طالما أهلك غلابة على الأقل كنتِ خليكي أذكى.
وكريم؟
كان سامع.
وساكت.
ولا كلمة.
أمي خرجت من المستشفى بعد ٨٧ يوم.
كان الجو تلج.
كريم جه بالعربية ياخدنا بس حتى ما نزلش يساعد ست لسه طالعة من عملية.
أنا اللي شيلت الشنط.
أنا اللي سندت أمي.
وأنا اللي لاحظت علبة هدايا على أرضية العربية.
فوقها ورقة صفراء صغيرة.
من حماتي.
مكتوب فيها
ألف سلامة عليها ويارب ما تتعبكيش تاني.
ما تتعبكيش تاني.
الجملة دي فضلت تقيلة جوه صدري كأنها حجر.
ولما وصلنا بيت أمي عمارة قديمة من غير أسانسير كريم ماطفاش العربية حتى.
قال إنه مستعجل.
ساعدت أمي تنزل
ولما لفيت آخد الشنط
كان مشي.
وساب شنط أمي في شنطة العربية.
ساعتها حاجة جوايا بطلت تستعطف.
وبدأت تراقب.
في الليلة دي فتحت اللابتوب.
وعملت ملف إكسل.
بارد.
مرتب.
وحطيت فيه كل حاجة.
مكالمة ال٤٧ ثانية.
غيابه ٩٠ يوم.
الورقة
الصفرا.
كل رسالة.
كل تحويل.
كل تفصيلة.
وبعدين اكتشفت حاجة خلت دمي يتجمد.
وأنا بعد الفلوس عشان أجيب ممرضة لأمي
كريم كان محول ٤٠٠٠ دولار لأمه هدية.
نفس الراجل اللي كان بيقولي إن مصاريف أهلي مش مسؤوليته
كان بيدي فلوس من حسابنا المشترك لعيلته عادي.
افتكرت إني فهمت هو مين.
بس كنت غلطانة.
بعدها بشهور، وأنا براجع كشف الحساب، لقيت رقم أكبر.
٤٠ ألف دولار.
مكتوب جنبهم
مساعدة عائلية.
المستفيد؟
أخته دينا.
طلبت الأوراق.
استنيت الإيميل.
فتحته بإيد ساقعة.
ولما وصلت لآخر صفحة
قلبي وقف.
اسمي موجود في خانة الضامن.
أنا.
بتوقيعي.
بس المشكلة الوحيدة؟
إني عمري ما مضيت الورق ده.
قعدت أبص للشاشة وأنا مش قادرة أتنفس.
إمضتي مزورة.
ورق رسمي.
وقرض ضخم.
ولو دينا ما دفعتش البنك هيجي عليا أنا.
في اللحظة دي، تليفوني رن.
كريم.
أول مرة يهاتفني بسرعة بالشكل ده من شهور.
رديت.
صوته كان متوتر
سلمى! أمي وقعت من على السلم إحنا في المستشفى. تعالي بسرعة.
سكت ثانيتين.
وبعدين قال الجملة اللي كسرت آخر حاجة جوايا
أنتِ لازم تقفي جنب أمي دلوقتي.
بصيت على شاشة اللابتوب.
على الإمضا المزورة.
على التحويلات.
على كل مرة اتسابت فيها لوحدي.
وبعدين فتحت الدرج.
طلعت الورقة الصفرا.
وحطيتها جنب العقد المزور.
وهمست لنفسي
المرة دي اللي هيدخل المستشفى مش أمي. المرة دي دوركم أنتوا. 
لايك وصلو علي النبي وارفعو البوست بخمس كومنتات وهرد
عليكمالمستشفى كانت زحمة وصوت العياط مالي الممرات.
أول ما دخلت، لقيت كريم واقف قدام أوضة الطوارئ، شعره مبهدل وعينه حمرا من التوتر.
أول ما شافني جري عليا وقال بسرعة
الحمد لله إنك جيتي الدكتور عايز حد يوقع على نقل أمي للعناية.
بصيتله ثواني طويلة.
نفس الراجل اللي سابني لوحدي ٩٠ يوم.
نفس الراجل اللي كان شايف تعب أمي مش مسؤوليته.
ولأول مرة ماحسّتش بأي شفقة.
ناولني الورق وهو متوتر يلا يا سلمى بسرعة.
لكن قبل ما آخد القلم، طلعت من شنطتي ملف شفاف.
وحطيته قدامه بهدوء.
كريم بص باستغراب إيه ده دلوقتي؟!
فتحت الملف قدامه.
الورقة الصفرا.
كشف التحويلات.
وصورة عقد القرض.
وشاورِت على الإمضا.
وشه بدأ يسحب لونه بالتدريج.
همس إنتِ جبتي ده منين؟
قلت بهدوء أرعبه من البنك لأن الضامن المفروض يبقى عارف إنه ضامن.
بلع ريقه وبص حواليه بخوف مش وقته الكلام ده.
ابتسمت لأول مرة من شهور لا ده أنسب وقت.
في اللحظة دي خرجت دينا أختُه من أوضة الطوارئ.
أول ما شافت الورق اتجمدت.
عرفت.
طبعًا عرفت.
قربت مني وهي بتحاول توطي صوتها سلمى الموضوع كان مؤقت بس.
رفعت عيني فيها تزوير إمضا مؤقت؟
كريم شدني من دراعي وطّي صوتك.
بصيت لإيده على دراعي فنفضتها فورًا.
وقلت قدامهم هما الاتنين أنا قعدت سنة كاملة ساكتة. شيلت أمي، وشيلت البيت، وشيلت جواز ميت وأنتم كنتم بتستغلوا سكوتي.
دينا بدأت تعيط كنا هنرجّع الفلوس.
رديت ببرود الفلوس آخر
حاجة فارقة معايا.
وسكت شوية
وبعدين طلعت ظرف صغير تاني من الشنطة.
كريم أول ما شافه وشه اتغير.
لأنه عرفه فورًا.
كان تقرير خبير الخطوط.
الإمضا مزورة رسميًا.
ساعتها
تم نسخ الرابط