امي كانت بين الحياة والموت
إيه ده؟
سكتت شوية
وبعدين قالت جملة خلت المكان كله يسكت
كريم باعه زمان عشان يسدد ديون دينا.
حسّيت إن الأرض بتميد بيا.
أمي حطت إيدها على صدرها من الصدمة.
وأنا بصيت للعلبة
وبعدين افتكرت.
افتكرت إزاي وقتها قعدت أفتش في البيت يومين كاملين وأنا بعيط.
وإزاي كريم حضني وقال متزعليش يتعوض.
يتعوض.
يا الله.
حماتي كملت وهي بتبكي لأول مرة أنا اللي ساعدته يخبيه وأنا اللي قلتله ما يقولكيش.
كان عندي مليون كلمة.
غضب.
وجع.
إهانة.
لكن اللي خرج مني كان سؤال واحد بس
ليه؟
بصتلي بعين مكسورة وقالت عشان طول عمرك كنتِ بتسامحي.
الجملة نزلت على قلبي كالسكاكين.
لأنها كانت حقيقية.
أنا فعلًا كنت بسامح كل مرة
لحد ما بقوا فاكرين إن حقي رخيص.
حماتي قامت ببطء، ومسحت دموعها.
وقالت قبل ما تمشي أنا ظلمتك يا سلمى ويمكن ربنا وقعني من على السلم عشان أفوق.
ولأول مرة
ما رديتش.
سيبتها تمشي بهدوء.
وبعد ما الباب اتقفل، أمي قربت مني وقالت هتعملي إيه؟
بصيت على علبة دهبي
وعلى الورقة الصفرا اللي لسه فوق الترابيزة
وقلت بهدوء
هبدأ من جديد بس المرة دي، من غير ناس بتاكل قلبي وهم بيقولوا إنهم أهلي عدّى ست شهور.
الطلاق تم بهدوء غريب من غير محاكم طويلة، ولا فضايح، ولا شد وجذب.
كأننا الاتنين كنا عارفين إن الحكاية خلصت قبل الورق بوقت طويل.
أمي بقت أحسن بكتير.
شعرها بدأ يطلع تاني بعد الكيماوي، وبقت كل صبح
أما أنا
فبقيت شخص تاني.
قصّيت شعري.
غيّرت أوضة النوم كلها.
ورميت حاجات كتير كنت محتفظة بيها عشان الذكريات.
اكتشفت إن بعض الذكريات لازم تترمي عشان الواحد يعرف يعيش.
وفي يوم جمعة هادي، كنت قاعدة مع أمي بنتفرج على فيلم قديم، لما الموبايل رن.
رقم غريب.
رديت.
صوت ست كبيرة جه متردد سلمى؟ أنا طنط فايزة جارة حماتك.
قلبي اتقبض من غير سبب.
قالت بسرعة الحاجة سعاد تعبانة أوي ومن ساعة ما خرجت من المستشفى وهي حالتها النفسية وحشة. وكل شوية تنادي اسمك.
سكتُّ.
والست كملت هي طلبت تشوفك لو تقدري.
قفلت المكالمة وأنا تايهة.
أمي بصتلي وسألت هتروحي؟
ماعرفتش أرد فورًا.
جزء جوايا كان لسه موجوع.
وجزء تاني تعب من حمل الغضب.
وفي الآخر، لبست ونزلت.
بيت حماتي كان هادي بشكل مخيف.
لا صوت تلفزيون.
لا ريحة طبخ.
لا ضحك دينا العالي اللي كان مالي المكان زمان.
طنط فايزة فتحتلي الباب وهمست جوا.
دخلت أوضتها
واتصدمت.
حماتي خست جدًا.
وشها بقى شاحب ومتغضن، وعينيها غرقانة تعب.
أول ما شافتني دموعها نزلت فورًا.
حاولت تقوم
وماعرفتش.
قربت منها بحذر.
مسكت إيدي بقوة أضعف من اللي فاكرها بيها.
وقالت بصوت متقطع أنا كنت فاكرة إن القوة إن الناس تخاف منك.
سكتت لحظة تحاول تاخد نفسها.
بس طلع أقسى عقاب إن اللي ظلمتيه يبقى أرحم منك.
الكلمات
بصتلها من غير رد.
قالت وهي بتعيط بعد ما مشيتي البيت اتقلب. كريم بقى ساكت طول الوقت، ودينا سافرت وسابتنا بعد ما خلصت أزمتها وحتى أنا، محدش بقى يقعد معايا.
لأول مرة حسّيت إنها مش الست المتسلطة اللي كانت تكسرني بكلمة.
كانت مجرد ست كبيرة
خسرت احترام الناس اللي كانت فاكرة إنها بتملكهم.
مدت إيدها ناحية الكومودينو، وطلعت ظرف أبيض.
ناولتهولي.
فتحته باستغراب
ولقيت عقد ملكية.
شقة صغيرة.
باسمي.
رفعت عيني بذهول إيه ده؟
قالت وهي تمسح دموعها حقك أو جزء صغير منه.
حاولت أرفض فورًا أنا مش جاية آخد حاجة.
لكنها هزت راسها بتعب عارفة عشان كده تستحقي.
السكوت ملى الأوضة.
وبعدين قالت آخر جملة ماكنتش متوقعاها
أنا عمري ما شوفت كريم يحب حد قدك وعمري ما شوفت حد كسره غير فراقك.
غمضت عيني للحظة.
زمان الجملة دي كانت ممكن ترجّعني.
لكن دلوقتي؟
كانت مجرد حقيقة متأخرة.
قمت بهدوء، وقفلت الظرف.
وحطيته على الترابيزة جنبها.
قلت بلطف ثابت خليهولك يمكن تحتاجيه أكتر مني.
بصتلي بصدمة.
وأنا ابتسمت ابتسامة صغيرة لأول مرة من قلبي.
مش ابتسامة انتصار
ابتسامة نجاة.
وقبل ما أمشي، عدلتلها الغطا زي آخر مرة.
لكن المرة دي، وهي اللي دموعها بتنزل.
فتحت الباب
وسمعتها بتنادي اسمي بصوت ضعيف سلمى
لفّيت.
قالت سامحيني لو تقدري.
بصيتلها طويل
وبعدين قلت بهدوء
أنا سامحت بس عمري ما هرجع لنفس
الحاجة سعاد ماتت بهدوء وهي نايمة.
كريم بنفسه اتصل يبلغني.
صوته كان هادي بشكل غريب أمي سألت عليكي قبل ما تنام وقالتلي ما أزعجكيش، بس قالت لازم تعرفي إنها ماتت وهي نفسها مرتاحة ناحيتك.
دعيت لها بالرحمة وقفلت.
ما رحتش العزا.
مش كرهًا
لكن لأن بعض الأبواب لما تتقفل، الأحسن تفضل مقفولة.
الحياة بدأت تمشي بشكل مختلف بعدها.
أمي بقت أقوى.
وأنا أخدت ترقية كبيرة في الشغل، ونقلت أنا وهي لشقة جديدة صغيرة، فيها شمس كتير وبلكونة واسعة.
أول يوم هناك، أمي وقفت تبص للمكان وقالت حاسّة إننا ابتدينا عمر جديد.
وكان عندها حق.
رجعت أطبخ لنفسي.
أسمع أغاني وأنا بنضف البيت.
أخرج من غير ما أبرر رايحة فين وجاية إمتى.
حاجات بسيطة جدًا بس كانت بالنسبالي حياة كاملة.
وفي ليلة شتا بعد حوالي سنة، كنت قاعدة في البلكونة أشرب قهوة، لما جالي إشعار على الموبايل.
رسالة من رقم قديم محفوظ باسم كريم.
فتحتها بعد تردد.
كانت صورة.
الورقة الصفرا اللي كتبلي فيها أنا آسف إني خليتكِ تحسي إنك لوحدك.
وتحتها رسالة قصيرة
لسه محتفظ بالنسخة بتاعتي.
بصيت للصورة شوية
وبعدين رفعت عيني للسما.
المطر كان بينزل خفيف، والهوا بارد، وأمي بتضحك جوه على مسلسل قديم.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة مهمة جدًا
إن النهاية السعيدة مش دايمًا إن الناس ترجع لبعض.
أحيانًا النهاية السعيدة
قفلت الموبايل بهدوء.
وقمت أدخل عند أمي.
وسبت الورقة الصفرا آخر حاجة تربطني بحياة قديمة مكانها
الطبيعي
الماضي.