وانا بطلع الصنية
المحتويات
لو اتكلمت حياتنا كلها هتضيع!
كل الأنظار راحت لطنط ميرفت.
الست كانت بترتعش ووشها غرقان دموع.
وقالت بصوت مكسور كانت طفلة كنت بحاول أحميها
محمود لف لها ببطء.
عمري ما شفت حد مكسور بالشكل ده.
وقال فحميتيها وسبتِنا نعيش وسط واحدة ممكن تحرق أي حد؟
طنط ميرفت انهارت في العياط كنت فاكرة إنها كبرت واتغيرت
وفجأة صوت ريهام اتبدل.
بقى هادي جدًا.
وده كان أخطر.
قالت بس على فكرة أنا مش ندمانة على علا.
قلبي وقف.
كملت هي خدتك مني زي ما أبوك خد ماما مني.
محمود صرخ لأول مرة إنتِ مريضة!
وفي اللحظة دي سمعنا صوت باب عربية يتقفل بعنف من خلال المكالمة.
بعده خطوات سريعة.
ثم صوت ريهام وهي تضحك وسط عياطها بس متقلقوش أنا جاية أخد حاجتي الأخيرة.
محمود اتجمد. إنتِ تقصدي إيه؟
لكن المكالمة اتقفلت.
ثانية واحدة بس وجرس باب الشقة رن.
رنّة طويلة.
تقيلة.
مرعبة.
أنا حسيت الدم هرب من وشي.
ومحمود جري ناحية الباب، لكن قبل ما يفتحه سمعنا صوت معدني بيتحك من برّه.
صوت مفتاح.
ريهام كان معاها نسخة من المفتاح طول الوقت عدّى أسبوع.
كنت لسه بعرف أمشي بالعافية، وكل خطوة كأنها إبر بتتغرز في جلدي. الشقة الجديدة كانت هادية بشكل غريب مفيهاش صوت طنط ميرفت وهي تنتقد كل نفس باخده، ولا خبط أبواب ريهام، ولا التوتر اللي كان مالي البيت القديم كأنه غاز سام.
ومحمود اتغير.
بقى يصحى قبلي يعمل الفطار، يساعدني أبدّل الضمادات، ويقعد ساكت يبصلي أوقات طويلة كأنه لسه مش قادر يسامح نفسه.
لكن رغم الهدوء كان فيه حاجة غلط.
كل ليلة تقريبًا، كنت أصحى ألاقيه واقف في البلكونة بيكلم حد بصوت واطي. وأول ما أحاول أقرب، يقفل المكالمة بسرعة.
وفي مرة، لمحته ماسك ورقة وبيخبيها أول ما دخلت.
قلبي بدأ يوجعني من جديد.
مش خيانة لكن خوف.
خوف إن
يكون فيه حاجة
وفي صباح يوم الخميس، كنت قاعدة على الكنبة ورجلي مرفوعة، لما الباب خبط.
محمود فتح واتجمد.
سمعت صوت ست بتقول أنا جاية أقول الحقيقة كلها.
قمت بصعوبة أبص.
كانت ست كبيرة في أواخر الخمسينات، لابسة إسدال رمادي، ووشها شاحب كأنها ما نامتش من أيام.
أول ما عيني جت في عينها قالت إنتِ علا؟
هزيت راسي بحذر.
الست دخلت بخطوات مترددة، وبعدين طلعت ظرف قديم من شنطتها.
وقالت أنا كنت شغالة عند خالتهم زمان وسمعت حاجة يوم الحادثة لازم تعرفوها.
محمود قال بتوتر حادثة إيه؟
الست بصتله ببطء. وقالت حادثة موت أبوكم.
الدنيا سكتت.
أنا كنت أعرف إن والد محمود مات من سنين في حادثة عربية. ده اللي العيلة كلها كانت بتقوله.
لكن شكل محمود دلوقتي كان شكل واحد بدأ يفهم إن حياته كلها مبنية على كدبة.
الست فتحت الظرف، وطلعت صورة قديمة باهتة.
فيها راجل واقف جنب عربية متكسرة.
وقالت أبوك ما ماتش في حادثة عادية.
محمود قرب منها وهو متجمد تقصدّي إيه؟
بلعت ريقها بصعوبة. وبعدين قالت الجملة اللي قلبت الأوضة تلج
أبوك كان ناوي ياخدك ويمشي لأن أمك كانت بتغطي على تصرفات ريهام من وهي صغيرة بعد اللي عملته في ابن الجيران.
قلبي دق بعنف.
ومحمود وشه ابيضّ.
قال بصوت مبحوح ابن الجيران؟
الست دموعها نزلت وهي تهمس ريهام كانت عندها ١٤ سنة وولّعت في أوضته بعد خناقة بينهم.
شهقت من الصدمة.
الولد عاش لكن اتحرق نص جسمه.
محمود رجع خطوة لورا كأنه اتخبط.
لا لا أمي قالت إن ده ماس كهربا.
الست هزت راسها وأبوك عرف الحقيقة. وكان عايز يبلغ الشرطة ويبعدكوا عنها لكن بعدها بيومين مات.
سكتت ثم بصت ناحية محمود وقالت
وفيه سبب إني ساكتة كل السنين دي لأني كنت خايفة.
مدّت إيدها بالظرف ناحيته.
بس بعد اللي حصل لمراتك عرفت إن ريهام ما اتغيرتش.
محمود
وكان جواه تقرير قديم. وصورة لمحضر رسمي متلغي.
وفي آخر الصفحة توقيع واضح باسم طنط ميرفت.
وفجأة، تليفون محمود رن.
بص للشاشة واتجمد أكتر.
أنا قلبي وقع لما شفت الاسم اللي ظاهر
ريهام محمود شدّني وراه بسرعة وهو بيبص للباب كأنه مستني وحش يدخل.
المفتاح لف ببطء
تك.
ثم الباب اتفتح سنة صغيرة.
وريهام ظهرت.
شعرها كان منكوش، والماسكارا سايحة حوالين عينيها، وبلوزتها السودا عليها تراب كأنها وقعت أو جريت لمسافة طويلة.
لكن أكتر حاجة خوفتني إنها كانت مبتسمة.
ابتسامة هادية جدًا.
قفلت الباب وراها بنفس البطء، وحطت شنطتها على الأرض.
وقالت البيت ده ريحته اتغيرت.
محمود وقف قدامي مباشرة وقال بحدة اطلعي برّه.
ريهام بصتله بحزن غريب. إنت خايف مني للدرجة دي؟
بعد اللي سمعته؟ آه.
ضحكت ضحكة قصيرة، وبعدين بصتلي أنا.
والله العظيم حسيت جسمي كله اتجمد.
قالت عارفة يا علا؟ أنا فعلًا حاولت أكرهك بس المشكلة إنك كنتِ دايمًا بتفكريني بنفسي زمان.
مافهمتش. لكن محمود صرخ كفاية لعب بعقول الناس!
ريهام اتنهدت وقعدت على طرف السفرة كأنها صاحبة البيت.
أصل محدش فيكم فاهم حاجة.
مدّت إيدها جوه الشنطة.
محمود جري ناحيتها فورًا وهو فاكر إنها طالعة سلاح.
لكنها طلعت ملف.
ورمته على الترابيزة.
الملف اتفتح لوحده، ووقعت منه أوراق قديمة وصور.
في صورة منهم بنت صغيرة عندها يمكن ١٠ سنين.
واقفة جنب راجل ضخم، وعينيها كلها خوف.
ريهام أشارت للصورة وقالت ده خالي.
صوتها اتغير تمامًا.
بقى صغير مكسور.
أول مرة لمسني كنت عندي تسع سنين.
الأوضة كلها سكتت.
حتى النفس بقى تقيل.
طنط ميرفت حطت إيدها على بقها وهي بتترعش ريهام
لكن ريهام بصتلها بكره عمري ما شفته في عين بني آدم.
إنتِ عرفتي وسكتي.
دموعي نزلت غصب عني.
محمود كان واقف
ريهام كملت وهي بتضحك بمرارة كل مرة كنت أقولك يا ماما إنه بيخوفني كنتِ تقولِي ما تفضحناش.
طنط ميرفت انهارت على الأرض وهي بتعيط ماكنتش أعرف يعمل فيكي إيه أقسم بالله ماكنتش أعرف!
بس عرفتي بعدين.
الصمت اللي بعدها كان خانق.
أنا لأول مرة خفت على ريهام.
مش منها.
عليها.
قالت وهي تبص للصورة يوم الحريق بتاع ابن الجيران هو كان قافل عليا الأوضة. وأنا ولعت في الستارة عشان يفتح الباب.
محمود همس يعني ماكنتيش تقصدي تحرقي الولد؟
هزت راسها بالنفي والدموع بتنزل ولا كنت أقصد أموت بابا.
سكتت شوية ثم بصتلي.
بس بعد سنين، بقيت لما أغضب بحس إني عايزة الدنيا كلها تتحرق.
قلبي وجعني.
لأن نظرتها وقتها ماكانتش نظرة شر.
كانت نظرة حد غرقان من سنين ومحدش حاول ينقذه.
وفجأة صوت صفارات شرطة طلع من الشارع تحت.
ريهام ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت واضح إن حد بلغ.
محمود بص للتليفون اللي كان لسه في إيده.
واضح إنه اتصل من غير ما نحس أثناء كلامها.
ريهام قامت بهدوء.
ومشت ناحية الباب.
لكن قبل ما تفتحه لفّت ناحيتي.
وقالت أنا آسفة على رجلك.
ثم بصت لمحمود وأنت حاول تفتكرني قبل ما أبقى الوحش. الوحوش مش بتتولد كده.
وفتحت الباب.
الشرطة كانت واقفة برّه.
لكن قبل ما الضابط يقرب منها ريهام رفعت إيديها بنفسها.
كأنها أخيرًا تعبت من الهروب بعد الليلة دي، البيت بقى ساكت بطريقة تخوف.
مش سكون راحة سكون بعد انفجار.
طنط ميرفت دخلت المستشفى بعدها بيومين بسبب هبوط حاد، ومحمود بقى يروح لها ويرجع من غير كلام كتير. أما أنا، فكنت بقضي ساعات طويلة أبص للشباك وأسأل نفسي سؤال واحد
إزاي عيلة كاملة تخبي كل ده سنين؟
لكن أكتر حاجة كانت مطلعاني من النوم كل ليلة كانت آخر جملة قالتها ريهام
الوحوش مش بتتولد
بعد شهر تقريبًا، رجلي بدأت تتحسن، وقدرت أمشي من غير عكاز لأول مرة.
يومها محمود رجع البيت ومعاه ظرف أبيض.
وشه كان غريب مش حزن، ومش راحة.
ناولني
متابعة القراءة