بعد ليلة واحده
منى عبد الرحمن عمرها ما كانت تتخيل إن ليلة واحدة ممكن تقلب عمر كامل فوق تحت. كانت بنت عادية جدًا، من النوع اللي بيصحى بدري قبل الشمس عشان يلحق الجامعة والشغل والمواصلات والزحمة والخناقات على نص جنيه باقي من سواق الميكروباص. بنت من روض الفرج، من بيت قديم حيطانه متشققة ورطوبته طالعة في قلب العضم، لكن رغم كل ده كان مليان دفا وضحكة أم بتقاوم الدنيا كلها بطبق رز سخن ودعوة حلوة آخر الليل. أبوها عبد الرحمن كان راجل على باب الله، بيشتغل في سوق العبور يوم يرزق ويوم يرجع بإيده فاضية، لكن عمره ما مد إيده لحد ولا رضي يكسّر نفسه قدام بشر. أمها نعيمة ست بسيطة، جسمها هدّه السكر والضغط لكن قلبها كان جبل. وأخوها أحمد، الولد الصغير اللي كل حلمه يجيب مجموع يدخل بيه هندسة ويشيل الحمل عن أبوه.
منى كانت أكبرهم، وسند البيت الحقيقي. تدرس الصبح في تجارة عين شمس، وتشتغل العصر في كافيه بوسط البلد، وترجع بالليل مهدودة لدرجة إنها ساعات كانت تنام بالملاية وهي لابسة هدوم الشغل. ومع كل التعب ده، كانت بتحاول تضحك. كانت شايفة إن الحياة مهما قست أكيد فيها باب هييتفتح يوم.
بس الأيام الأخيرة قبل الليلة دي كانت أسوأ من أي وقت. صاحب البيت هددهم بالطرد بسبب الإيجار المتأخر،
وفي نفس الليلة، بعد شيفت طويل في الكافيه، شيريهان صاحبتها أصرت إنها تروح معاها حفلة كبيرة في الزمالك. قالتلها يمكن تتعرف على ناس يشغلوها في مكان أحسن، يمكن الحظ يحن. منى رفضت الأول، لكن لما بصت لإنذار المصاريف اللي في شنطتها وافقت وهي حاسة إنها ماشية ناحية حاجة مش مفهومة.
المكان كان فخم زيادة عن اللزوم، نور خافت ومزيكا هادية وناس شكلهم من عالم تاني. كانت حاسة إنها غريبة وسطهم، ماسكة شنطتها القديمة بخجل وتحاول ما تبصش حواليها كتير. شيريهان كانت مندمجة وسط الناس، لكن منى فضلت قاعدة على طرف الكرسي، لحد ما جرسون حط قدامها كوباية عصير باردة وقالها إنها من الحساب المفتوح للحفلة. شربتها وهي فعلًا عطشانة، وبعد نص ساعة بدأت الدنيا تتقلب حواليها. صوت المزيكا بقى بعيد، والإضاءة بقت مشوشة، والأرض بقت تميل تحت رجليها.
فاكرة بس إنها قامت تحاول تمشي، وفاكرة إيد قوية سندتها قبل ما تقع.
بعدها كل حاجة بقت صور متقطعة. باب عربية سودا، أسانسير طويل، ريحة عطر هادية، وصوت بيقولها ترتاح وما تخافش.
ولما صحيت الصبح، كانت في جناح فخم جدًا عمرها ما دخلت زيه حتى في أحلامها. قامت مفزوعة، لفت حواليها تدور على أي حد، لكن المكان كان فاضي. وعلى الكومودينو كان فيه ظرف بني كبير.
فتحته بإيد بترتعش، ولقت مليون جنيه كاملين.
وفوق الفلوس ورقة صغيرة مكتوب فيها اعتبريه نصيب.. وإياكي تدوري عليا.
وقتها حسّت إن روحها اتسحبت منها. قعدت على الأرض تبكي بحرقة وهي مش فاهمة إيه اللي حصل وإزاي وليه. كانت حاسة بإهانة وكسرة عمرها ما داقتها، كأن حد دخل حياتها في أضعف لحظة فيها وقرر يحط تمن لوجعها.
رجعت البيت وهي مخبية الظرف تحت الجاكيت كأنه قنبلة. فضلت أيام ما تنامش، كل شوية تفتح الفلوس وتقفلها، تتأكد إنها حقيقية. وفي النهاية، لما شافت أبوها قاعد ساكت قدام فاتورة الدين وأمها بتحاول تخبي دموعها، استسلمت.
دفعت الإيجار.
سدّت ديون أبوها.
دخلت أحمد أحسن مدرسين.
واحتفظت بالباقي كأنه سر مدفون.
لكن منى اتغيرت من يومها. بقت أقوى وأهدى وأبعد عن الناس. قررت إن الفلوس دي مهما كان سببها، فهي هتستخدمها عشان تبني نفسها. ذاكرت لحد ما جابت امتياز، واشتغلت في شركة مالية كبيرة، وبعد سنين قليلة بقت واحدة من أهم المحللين الماليين في القاهرة. لبسها اتغير، طريقتها اتغيرت، حتى صوتها بقى ثابت وبارد، لكن جواها كان لسه فيه نفس السؤال مين الراجل ده؟ وليه اختفى؟
سبع سنين عدّوا.
وفي صباح هادي، وصلها ملف عميل جديد مهم جدًا. كانت شركة استثمار ضخمة باسم المنشاوي جروب. أول ما قرت الاسم قلبها دق بعنف غريب، لكنها حاولت تسيطر على نفسها. فتحت الملف، ولقت قدامها صورة لفاتورة الفندق القديمة. نفس الجناح. نفس التاريخ.
إيديها بردت.
وقبل ما تستوعب، باب قاعة الاجتماعات اتفتح.
دخل محامي كبير، ووراه الراجل نفسه.
كبر فعلًا. وشه بقى مرهق وعينيه شايلة تعب سنين طويلة، لكنه هو. نفس النظرة الهادية.
وقف قدامها للحظات طويلة وبعدين قال بصوت متعب أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
منى قامت بعصبية، قلبها بيدق بعنف وهي بتسأله إنت مين؟ وليه عملت كدة؟
الراجل قعد بهدوء وقال اسمي سليم المنشاوي. وفي الليلة دي كنت هموت.
سكتت وهي مش فاهمة.
كمل بصوت مبحوح