بعد ليلة واحده
بعد ما عرفت إني عندي مرض خطير، والدكاترة أكدولي وقتها إن مفيش أمل كبير. كنت تايه، فاقد الإحساس بأي حاجة، والناس كلها حواليا كانت بتعاملني كأنّي بنك ماشي على رجلين. وفي الليلة دي شفتك بتقعي قدامي، وشفت الخوف والتعب والجوع والوجع في وشك وشفت بنت بتحاول تقاوم الدنيا كلها لوحدها.
بلعت ريقها بصعوبة.
قال وصلتك الفندق عشان ترتاحي وتبقي في أمان، ولما عرفتك أكتر من كلامك القليل وقتها حسيت إني لأول مرة من سنين شايف إنسان حقيقي. كنت فاكر إني هموت بعدها بفترة قصيرة، فقررت أسيبلك مبلغ يساعدك تبدأي حياة جديدة. الورقة اللي كتبتها كانت غبية، عارف لكني كنت جبان. خفت ترجعي تدوري عليا، وخفت أنا نفسي أتعلق بحد وأنا مستني النهاية.
منى فضلت ساكتة، دموعها متحجرة في عينيها.
لكن الصدمة الحقيقية جات لما المحامي فتح ملف تاني وقال إن سليم كتب باسمها وقف خيري كامل من سبع سنين، وإنه كان بيتابع أخبارها في صمت طول الوقت، يشوف نجاحها من بعيد من غير ما يقرب.
وقالت بعصبية مكتومة كنت بتراقبني؟
رد بهدوء كنت بطمن إنك بقيتي بخير.
وعرفت بعدها إن المرض اللي كان عنده اختفى بمعجزة بعد رحلة علاج طويلة، لكنه فضل طول السنين دي حاسس بالذنب لأنه اختفى من غير تفسير.
الأيام اللي بعد المقابلة دي
بدأوا يقربوا من بعض بهدوء. منى لأول مرة تحكي لحد عن خوفها وعن اللي عاشته، وسليم لأول مرة يضحك من قلبه من سنين. أخوها أحمد بقى مهندس فعلًا، وأبوها فتح محل خضار صغير محترم بدل الشغلانة المهدودة في السوق، وأمها راحت تعمل عمرة وكانت كل يوم تدعي وهي تبكي إن ربنا يعوض بنتها خير.
وفي ليلة هادية بعد شهور طويلة، وقف سليم قدام منى على كورنيش النيل وقالها بصوت متردد الفلوس اللي سيبتها زمان كانت محاولة يائسة أنقذ بيها إنسانة ماكنتش عايز الدنيا تكسرها لكن النهارده أنا اللي محتاجك تنقذيني.
منى بصتله طويل، وافتكرت البنت اللي كانت بتبكي لوحدها فوق سرير الفندق من سبع سنين. البنت اللي كانت فاكرة إن المليون جنيه دول إهانة. واكتشفت أخيرًا إن أوقات الحياة بتدي الإنسان حاجات غريبة جدًا في شكل صدمات، لكنها بتكون بداية طريق كامل.
ابتسمت وسط دموعها، ومدت إيدها تمسك إيده لأول مرة بإرادتها الكاملة، وهي حاسة إن أخيرًا السر القديم انتهى، وبدأت الحكاية الحقيقية.
الهواء كان بارد على كورنيش النيل، والليل ساكت بشكل يخوف، كأن القاهرة بكل زحمتها قررت تسكت
منى كانت واقفة قدامه، بصاله بعينين مليانين سنين كاملة من التعب والخوف والأسئلة المؤجلة. سبع سنين وهي فاكرة نفسها مجرد بنت اتكسرت واترمت لها فلوس عشان تسكت، وسبع سنين وهو شايل ذنب عمره، فاكر إن اختفاؤه كان أرحم لها من وجوده.
لكن الحقيقة عمرها ما بتموت.
الحقيقة بتفضل مستخبية تحت الجلد، تكبر مع الأيام، لحد ما تيجي اللحظة اللي تنفجر فيها كلها مرة واحدة.
سليم كان واقف قدامها راجل مختلف تمامًا عن الراجل اللي شافته أول مرة. وقتها كان ملياردير الناس بتخاف تبص في عينيه، راجل متعود ياخد كل حاجة بالسلطة والنفوذ والفلوس. النهارده؟ كان مجرد إنسان مرهق، قلبه تعب من الوحدة أكتر ما جسمه تعب من المرض.
قال بصوت مكسور لأول مرة أنا طول عمري الناس بتحب اسمي عمري ما حسيت إن حد حبني أنا.
الكلمة دخلت قلبها زي السكينة.
لأنها فهمت فجأة إن الوحدة مش دايمًا للفقراء بس أوقات الأغنيا بيبقوا محبوسين في سجون أكبر بكتير.
سليم كمل وهو باصص للنيل الليلة دي لما شوفتك واقفة بتحاولي تباني قوية رغم إن الدنيا كلها كانت ساحقاكي حسيت إني شايف نفسي زمان. أنا كبرت في بيت مليان فلوس بس مفيهوش رحمة. أبويا كان شايف الناس أرقام، وأنا اتعلمت أبقى زيه. ولما
منى كانت ساكتة، دموعها بتنزل من غير صوت.
قال فاكرة الورقة اللي سيبتهالك؟
هزت راسها ببطء.
ابتسم بحزن كتبتها وأنا مقتنع إني هموت خلال شهور. كنت عايز أسيب حاجة حقيقية ورايا حاجة تنقذ حد يستحق يعيش.
صرخت فيه فجأة، لأول مرة بس أنا اتكسرت! إنت متخيل سبع سنين وأنا كل يوم بسأل نفسي ليه؟! كنت بحس إني رخيصة إني مجرد شفقة!
سليم غمض عينيه كأن الكلام بيطعنه.
وقال عارف وعشان كدة عمري ما سامحت نفسي.
السكوت بينهم كان مؤلم.
لكن المرة دي، السكوت ماكانش نهاية كان بداية فهم.
منى افتكرت كل اللي عدّى.
افتكرت نفسها وهي قاعدة تحت نور المطبخ الضعيف تذاكر لحد الفجر.
افتكرت أمها وهي تخبي دموعها عشان ما تضعفهاش.
افتكرت أبوها وهو يضحك رغم الديون عشان مايحسسهمش بالخوف.
افتكرت أحمد يوم نتيجة الثانوية وهو بيحضنها ويقولها إنتِ السبب إني بقيت بني آدم.
وافتكرت نفسها بعد سنين، وهي داخلة أفخم الشركات، والناس كلها بتقف احترام ليها، وهي من جواها لسه البنت اللي خايفة ومش فاهمة.
وفجأة فهمت الحقيقة كلها.
المليون جنيه ماكانوش النهاية.
كانوا البداية.
بداية البنت اللي كانت هتضيع لو فضلت محبوسة في نفس الفقر واليأس والخوف.
لكن الأهم إن قوتها
جات من قرارها إنها