جوزي سافر

لمحة نيوز

جوزي سافر مع البيست فريند..

قال لي إنه محتاج يشم نفسه لآخر مرة قبل ما يبقى جوزي. فاديتله الحرية دي.. واستغليت حريتي أنا كمان عشان أختفي تماماً من حياته.

الليلة اللي يوسف طلب يشوفني فيها، كانت المطرة مغرقة شوارع القاهرة كلها. كنت قاعدة في عربيتي قدام مطعم "بالميرا"، ماسكة الدريكسيون بإيدي الاتنين كأني بخاف العربية تهرب مني. ضوء التابلوه كان واقع على خاتم خطوبتي، والألماظة بتلمع ببرود غريب، كأنها تخص واحدة تانية غيري.

رسالته وصلتلي العصر:
"محتاجين نتكلم بهدوء عن الجواز وتوقعاتنا للفترة الجاية."

طول الطريق وأنا بحاول أقنع نفسي إن الموضوع بسيط. يمكن ضغط شغل. يمكن توتر قبل الفرح. يمكن خوف طبيعي من المسؤولية.

لكن جوايا كان في إحساس تقيل… الإحساس اللي بييجي لما قلبك يبقى عارف الحقيقة قبل عقلك.

قبلها بأسبوع، يوسف كان بيحكيلي بحماس عن سفرية طويلة لتايلاند وبالي مع "سارة"، البيست فريند بتاعته من أيام الجامعة. كان بيتكلم عن السفرية كأنها رحلة علاج نفسي.
"عايز أفصل شوية قبل الجواز، أرجع وأنا مستعد للحياة الجديدة."

وقتها حاولت أتفهم.
حاولت أبقى البنت الهادية المتفهمة اللي عمرها ما تضغط على اللي

بتحبه.

بس بعدين بالصدفة شفت الرسائل.

سارة كانت كاتباله:
"إنت طول عمرك بتحب الحرية، ماينفعش تدخل جواز وإنت حاسس إنك متكتف."

وهو رد:
"عشان كده محتاج السفرية دي… محتاج أتأكد إني جاهز."

الجملة دي فضلت تلف في دماغي أيام كاملة.
إيه معنى إنك تتأكد؟
وإيه معنى إن علاقتنا كلها تبقى مرحلة اختبار؟

أخدت نفس طويل ونزلت من العربية ودخلت المطعم.

يوسف كان قاعد في الركن اللي بنحبه. نفس الترابيزة اللي احتفلنا عليها بخطوبتنا، واللي رسمنا فوقها أحلام بيتنا الصغير، وعدد الأطفال اللي كنا بنتخانق هزار على أسمائهم.

أول ما شافني وقف وابتسم.
الابتسامة اللي زمان كانت كفاية تصلح يومي كله.

قال:
"فريدة… وحشتيني."

الكلمة وجعتني أكتر ما فرحتني.

قعدت قدامه، ولاحظت إنه مرتب كلامه قبلها. تليفونه مفتوح على نوتس، وكاتب نقط واضحة.

ابتدى يتكلم بهدوء زيادة عن اللزوم:
"أنا حاسس إننا داخلين على خطوة كبيرة، ومحتاجين نبقى صريحين."

هزيت راسي:
"اتفضل."

قال:
"أنتِ بقالك فترة مركزة أوي على تفاصيل الفرح… القاعة، الفستان، المعازيم… لكن الجواز نفسه أكبر من كده."

بصيتله باستغراب.
"وأنا قولت غير كده؟"

اتنهد:
"أنا بس حاسس إننا تايهين

وسط التفاصيل."

سكت ثانية، وبعدين كمل:
"وعشان كده محتاج السفرية دي."

الجملة وقعت بينا زي حجر تقيل.

قلت بهدوء:
"مع سارة؟"

قال بسرعة:
"سارة صاحبتي يا فريدة، وإنتِ عارفة ده."

ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة.
"عارفة… بس مش فاهمة إزاي الإنسان لما يحب حد يبقى محتاج يبعد عنه بالشهر عشان يتأكد من مشاعره."

يوسف بص بعيد.
أول مرة يتهرب بعينه مني.

قال:
"أنا مش بهرب منك… أنا بحاول أفهم نفسي."

قلت:
"وإيه اللي هيحصل لو فهمت إنك مش جاهز؟"

ما ردش.

وده كان كفاية.

لحظتها حسيت إن الكرسي بيضيق عليا. المطعم كله بقى خانق، والأغاني الهادية مستفزة بشكل غريب.

طلعت تليفوني وفتحت الرسائل اللي بينه وبين سارة.
حطيته قدامه من غير كلمة.

وشه اتغير أول ما شاف الشاشة.

قرأ الرسائل بسرعة، وبعدين رفع عينه ليا:
"إنتِ فتشتي ورايا؟"

ضحكت بذهول.
"دي أول حاجة شغلاك؟"

سكت.

قلت:
"أنا عمري ما طلبت منك تبطل تحلم، ولا تمنع نفسك عن حاجة بتحبها. لكن مؤلم أوي إنك تخلي علاقتنا كلها امتحان نجاح ورسوب."

قال بصوت أوطى:
"مكنتش قصدي."

"بس ده اللي حصل."

الويتر جه يحط العصير، وحسيت بالإحراج من الهدوء التقيل اللي على الترابيزة. أول ما

مشي، يوسف سند بإيده على الترابيزة وقال:
"فريدة… أنا تعبان."

الجملة دي كسرت حاجة جوايا.

لأنها كانت حقيقية.

يوسف ماكنش شخص سيئ.
كان تايه.
غرقان في خوفه من المستقبل ومن المسؤولية ومن فكرة إنه يبقى زوج لازم يعرف كل الإجابات.

وأنا كمان كنت تايهة.
غرقانة في فكرة إن الحب لوحده كفاية.

رجعت بظهري للكرسي وقلت بهدوء:
"طيب اسمعني بقى… أنا كمان تعبت."

بصلي باهتمام لأول مرة من بداية القعدة.

قلت:
"تعبت وأنا بحاول أبقى النسخة المثالية اللي ما تزعلش، وما تعترضش، وتتفهم كل حاجة. تعبت وأنا بحاول أثبت إني خفيفة وسهلة ومش هقيّدك."

عينيه لمعت بندم خفيف.

كملت:
"بس الحب مش اختبار حرية يا يوسف. الحب إنك تلاقي حد ترتاح معاه، مش حد تهرب منه عشان تعرف قيمته."

فضل ساكت.

وأنا لأول مرة ماكنتش مستنية رد.

قومت بهدوء ولميت شنطتي.
قال بسرعة:
"إنتِ ماشية؟"

هزيت راسي.
"آه."

"يعني إيه؟"

بصيتله شوية وقلت:
"يعني محتاجين نبعد شوية… بس بجد."

خرجت من المطعم والمطر نازل خفيف.
ركبت عربيتي وقعدت شوية قبل ما أدور الموتور.

ولأول مرة من شهور…
عيطت.

مش عياط دراما أو انهيار.
كان عياط راحة.
راحة إني أخيراً قولت اللي جوايا.

الأيام

اللي بعد كده كانت غريبة.
يوسف سافر.
والفرح اتأجل من غير ما نقول للناس السبب الحقيقي.

كل يوم كانت تنزل صور جديدة.
بحر.
جبال.
قهوة في شوارع بعيدة.
ابتسامات واسعة.

وأنا؟

تم نسخ الرابط