حمايا دخل الشقه
مرة تنور… مرة تطفي.
وفي اللحظة اللي النور فيها طفى تمامًا…
سمعت نفس نفس اللي ورا الباب… بس المرة دي كان قريب جدًا… كأنه جوه الأوضة.
وفجأة…
صوت المفتاح اتكسر في القفل.
والباب بدأ يتفتح ببطء شديد…
وأنا واقفة ورا الدولاب، مش عارفة أهرب فين… ولا مين أصلًا اللي كان بيحمي البيت… ومين اللي كان بيمثّل إنه بيحميه.
واللحظة اللي الباب فيها اتفتح… حصل اللي مكنتش متخيلة إنه ممكن يحصل جوه بيت واحد…الباب اتفتح ببطء… ببطء يخليك تحس إن كل ثانية بتتسحب من عمرك.
وقفت ورا الدولاب، حضنِة ابني لصدري بقى أقوى من غير ما أحس، كأنّي بحاول أستخبى بيه من العالم كله.
لكن اللي دخل…
ماكانش حد واحد.
كانوا اتنين.
أولهم حمايا… بس شكله كان مختلف تمامًا عن اللي شوفته قبل كده. هدوءه اختفى، وبداله نظرة متوترة، كأنه هو نفسه مش فاهم اللي بيحصل.
والتاني…
أحمد.
واقف عند الباب، مبلول عرق، وبيتنفس بسرعة، وعينه بتلف في الأوضة كأنه بيدوّر على حاجة أو بيحاول يستوعب مشهد مش طبيعي.
— إنتوا بتعملوا إيه هنا؟! صوته كان مكسور بين غضب وصدمة.
حمايا رفع إيده وقال بسرعة:
— أنا مخرجتش من البيت يا أحمد… أنا ما خرجتش
سكتت لحظة… الكلام خبط في دماغي زي حجر.
أحمد لفّ ناحية باب الشقة المفتوح وقال:
— أنا مشيت بنفسي من نص ساعة… وسبت الباب مقفول!
ساعتها… الهدوء في البيت بقى مرعب.
مش هدوء طبيعي… هدوء كأن في حاجة مش مفهومة بتحصل.
حمايا بص ناحية باب الأوضة اللي أنا مستخبية وراه وقال بصوت أقل:
— في حد لعب في البيت… في حد عايز يوقعنا في بعض.
أحمد اتجمد.
وبص ناحية الباب تاني… وكأنه لاحظ حاجة ماخدش باله منها.
— قفل الباب الداخلي كان متغير… مين فتحه؟
مفيش حد رد.
وفجأة…
ابني بكى بكاء عالي.
والصوت ده كان كفيل إنه يكشف مكاني.
أحمد لف بسرعة ناحيتي، وعينه وقعت على طرف الملاية اللي باين من ورا الدولاب.
ساعتها قال بصوت واطي جدًا:
— اطلعي… مفيش حد في البيت غيرنا… بس واضح إن في حد كان هنا قبلنا.
خرجت ببطء، ورجليا مش قادرة تشيلني.
وقفت قدامه، وهو بصلي نظرة مختلفة تمامًا… لأول مرة مش نظرة لوم… نظرة خوف حقيقي.
لكن قبل ما أي حد يتكلم…
سمعنا صوت خبط تاني.
بس مش من الباب…
ده كان من جوه الشقة.
من المطبخ.
وأقوى من أي صوت قبل كده… كان صوت كرسي بيتسحب على الأرض.
وكأن في
وساعتها بس…
أحمد همس:
— إحنا مش لوحدنا في البيت ده.
واللحظة دي… كانت بداية كشف سر عمره ما كان لازم يطلع للنور…أحمد اتحرك ناحية المطبخ بسرعة، وحمايا وراه، وأنا واقفة مكاني مش قادرة أقرر أتحرك ولا أصرخ.
صوت الكرسي في المطبخ وقف فجأة… كأن اللي كان بيحركه سمع خطواتنا.
الهدوء رجع تاني… بس المرة دي كان أخطر.
أحمد فتح باب المطبخ ببطء شديد.
مفيش حد.
بس الكرسي في نص المطبخ متسحب مترين عن مكانه الطبيعي… وكوباية مقلوبة على الأرض، ومية لسه طالعة منها.
حمايا بص حواليه وقال بصوت مهزوز لأول مرة:
— أنا… أنا ما دخلتش المطبخ من النهارده.
أحمد لفّ وبصلي:
— وإنتي؟
هزيت راسي بخوف:
— أنا ما خرجتش من الأوضة غير دلوقتي…
ساعتها بس أحمد اتغير شكله تمامًا.
قفل باب الشقة بسرعة، وراح يتأكد من كل الأقفال، وبصلي وقال بهدوء غريب:
— يبقى مفيش حد مننا اللي كان بيعمل كده… يبقى في حد تالت.
حمايا قعد على الكرسي لأول مرة كأنه فقد توازنه.
— يا ابني… أنا ساكن في البيت ده من سنين، عمري ما حسيت بحاجة زي كده.
في اللحظة دي، نور المطبخ رجع يشتغل لوحده.
مرة واحدة.
وكأنه حد شغله من غير ما يقرب.
كلنا بصينا في نفس الاتجاه.
وفجأة…
صوت موبايل أحمد رن.
رقم مجهول.
بصله، وفتح السماعة.
واللي جاله كان صوت واطي جدًا… مش واضح… بس أول جملة كانت كافية تخلي وشه يبيض:
— “إنت فاكر إنك دخلت بيتك؟ ده بيتنا إحنا…”
أحمد رمى الموبايل على الأرض فورًا.
والخط قطع.
البيت كله سكت.
سكت بطريقة ما تتوصفش.
لا صوت تلاجة… لا نفس… لا أي حاجة.
وفجأة…
كل الأبواب اللي في الشقة اتقفلت في نفس اللحظة.
بقوة واحدة.
كأن حد ضغط زرار.
أنا صرخت:
— افتحوا الباب! لازم نخرج!
أحمد جري ناحية الباب، لكن لقى المفتاح مش موجود في مكانه.
حمايا وقف وقال بصوت مكسور:
— ده مش بيتنا… ده اتغير.
وفي اللحظة دي…
صوت طفل بيضحك جا من أوضتي.
ابني.
بس الضحكة ماكنتش ضحكته.
أنا جريت ناحيته بسرعة، حضنته، وهو رجع يبكي طبيعي جدًا.
أحمد وقف قدامي وقال بهدوء:
— أهم حاجة دلوقتي نخرج… ونرجع لما نفهم إيه اللي حصل هنا.
وبالفعل، بعد محاولات كتير، لقينا باب الشقة اتفتح فجأة من غير تفسير… كأنه كان مقفول علينا بس وقرر يسيبنا نخرج.
خرجنا كلنا… من غير ما نبص ورا.
ومن ساعتها…
البيت
محدش رجع له.
لكن أغرب حاجة…
إن كل واحد فينا لما بيحكي اللي حصل، بيحكي تفاصيل مختلفة.
كأن البيت ما كانش مكان واحد…
كان أكتر من قصة جوه نفس الجدران.
والحقيقة لحد النهارده… لسه ما اتقالتش كلها.