جوزي كان بيعطر
بيتهم.
الكل خرج منه سليم.
لكن والدته فضلت محاصرة جوه الدخان لدقائق طويلة.
ومن يومها بدأت تعاني من مشكلة نادرة.
فقدت جزء كبير من حاسة الشم.
ومع الوقت بدأت تفقد ذكرياتها المرتبطة بأشخاص وأماكن معينة.
الأطباء وقتها شرحوا إن الروائح مرتبطة بشكل قوي بالذاكرة والمشاعر.
وإن بعض الذكريات عندها كانت بتتلاشى لأنها فقدت الروائح اللي كانت مرتبطة بيها.
بصيت لياسر باستغراب.
قال بهدوء
كنت بشوف أمي كل يوم بتنسى جزء من حياتها.
وسكت لحظة.
ثم أكمل
وفي آخر سنة قبل وفاتها... نسيت أسماء ناس كانت بتحبهم.
شعرت بقشعريرة تسري في جسمي.
رجعت للورقة.
وكان مكتوب
من يومها بقيت مهووس بالروائح.
كل مكان مهم في حياتي كنت بأحتفظ بريحته.
كل ذكرى سعيدة كنت أحاول أربطها بعطر معين.
نظرت للصندوق مرة أخرى.
فهمت أخيرًا معنى الزجاجات الصغيرة.
كل واحدة كانت تمثل ذكرى.
جزءًا من حياته.
خوفًا من أن يضيع يومًا ما.
لكن السؤال الأهم ما زال بدون إجابة.
ليه أنا؟
وليه كان مصر يعطرني كل أسبوع؟
كأن ياسر قرأ السؤال في عيني.
اقترب ببطء.
ثم قال
لأنك أهم ذكرى في حياتي.
سكتت.
لكنه أكمل بصوت مبحوح
من سنتين عملت فحوصات.
قلبي انقبض فجأة.
والدكتور قالي إن عندي بداية مشكلة وراثية نادرة... ممكن مع السنين تأثر على الذاكرة.
شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.
ابتسم ابتسامة حزينة وقال
خفت.
خفت أصحى يوم ومش أفتكر تفاصيل حياتي.
خفت أنسى أول يوم شفتك فيه.
أو أنسى ضحكتك.
أو حتى أنسى إنك كنتي
كانت الدموع بدأت تنزل من عيني دون أن أشعر.
وأضاف
عشان كده كنت بأربط وجودك دايمًا بنفس العطر.
كنت بأصنع مفتاحًا للذاكرة.
لو نسيت يومًا... الريحة ترجعني ليكي.
لم أستطع الكلام.
فقط نظرت إليه.
ولأول مرة فهمت أن السر الذي أخفاه لم يكن خيانة.
ولا كذبًا.
بل خوفًا عميقًا عاش به وحده لسنوات.
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن انتهت بعد...
لأن ياسر فتح درجًا آخر لم أره من قبل.
وأخرج ملفًا طبيًا سميكًا.
وضعه أمامي.
وقال بصوت منخفض
في حاجة واحدة لسه ما قولتهالكش...
ثم فتح أول صفحة.
وعندها فقط عرفت لماذا كان يراقب صوري كل ليلة تقريبًا...
ولماذا كان يعد الأيام منذ أشهر فتحت الملف بسرعة، وقلبي بيدق بعنف.
كانت الصفحات مليانة تقارير طبية ورسوم بيانية وملاحظات من أطباء مختلفين.
لكن شيء واحد شد انتباهي فورًا.
كل صفحة تقريبًا كان فيها تاريخ.
وياسر كان معلم بقلم أحمر على أيام معينة.
أيام متفرقة على مدار الشهور الأخيرة.
رفعت عيني له وسألته
إيه التواريخ دي؟
تنهد ببطء وجلس على الكرسي.
ثم قال
اختبارات.
اختبارات إيه؟
سكت لحظة، وكأنه بيجمع شجاعته.
ثم قال
كل أسبوع كنت باختبر نفسي.
شعرت بانقباض في صدري.
أشار إلى إحدى الصفحات.
كان مكتوب فيها أسماء أشخاص وأماكن وأحداث.
وبجانب كل اسم علامة صح أو خطأ.
قال
كنت بكتب تفاصيل حياتي كلها... وأرجع أراجعها بعد أيام.
ثم أضاف بصوت خافت
وفي بعض المرات... كنت بغلط.
نظرت إليه غير مصدقة.
أكمل
مرة
ومرة نسيت تاريخ أول سفرية لينا.
ومرة...
وتوقف.
مرة بصيت لصورتك ثواني كاملة قبل ما أتذكر اليوم اللي اتصورت فيه.
شعرت ببرودة تسري في أطرافي.
لهذا كان يقلب الصور ليلًا.
لهذا كان يركز فيها بهذا الشكل الغريب.
لم يكن يبحث عن شيء مريب.
كان يحارب النسيان.
لكن فجأة لفت نظري شيء آخر داخل الملف.
ورقة حديثة جدًا.
تاريخها كان قبل ثلاثة أيام فقط.
مددت يدي نحوها.
لكن ياسر حاول يسحب الملف بسرعة.
لأول مرة منذ بدأ الحديث.
تردد.
ارتبك.
خاف.
وهنا عرفت أن الورقة دي مختلفة.
انتزعتها قبل أن يتمكن من إخفائها.
ونظرت إليها.
وفي أعلى الصفحة كانت هناك جملة واحدة جعلت الدم يتجمد في عروقي
نتيجة الفحص الأخير لا توجد أي مؤشرات مؤكدة على المرض الوراثي.
حدقت في الورقة.
ثم رفعت رأسي ببطء.
يعني إيه؟
لم يرد.
يعني كل الخوف ده... طلع غلط؟
ظل صامتًا.
لكن شيئًا آخر كان مكتوبًا أسفل التقرير.
شيء لم ينتبه له.
أو ربما كان يتمنى ألا أنتبه له.
كانت هناك ملاحظة قصيرة من الطبيب
يوصى بإجراء تقييم نفسي للمريض بسبب مستويات القلق المفرطة وتأثيرها على حياته اليومية.
شعرت أن الصورة بدأت تتغير.
المرض الذي خاف منه سنوات...
قد لا يكون موجودًا أصلًا.
لكن الخوف نفسه أصبح مرضًا.
ورأيت الدموع تتجمع في عيني ياسر لأول مرة.
وقال بصوت مكسور
أنا ما كنتش بخاف من النسيان يا هالة.
سكت لحظة.
ثم أكمل
أنا كنت بخاف أفقدك.
تجمدت مكاني.
لكنه أكمل
لأن فيه حاجة حصلت من ست شهور... وما عرفتش أقولها ليكي.
في تلك اللحظة بالذات...
رن هاتفه الموضوع فوق المكتب.
نظر للشاشة.
وفجأة اختفى اللون من وجهه بالكامل.
سقط الهاتف من يده.
وعندما التقطته لأرى المتصل...
وجدت اسمًا واحدًا فقط
مركز الأبحاث عاجل
وتحت الاسم رسالة وصلت للتو
يرجى التواصل فورًا بشأن العينة التي تم اكتشافها أمس.
وعندها أدركت أن السر الحقيقي... ربما لم يبدأ بعد تجمدت وأنا ماسكة الهاتف.
العينة؟
أي عينة؟
وليه مركز أبحاث بيتصل بياسر في نص الليل؟
رفعت عيني له.
كان شاحب بشكل مخيف.
كأنه عرف محتوى المكالمة قبل ما يرد عليها أصلًا.
قلت بتوتر
ياسر... فيه إيه؟
بلع ريقه بصعوبة، ومد إيده ياخد الهاتف.
لكن قبل ما يتكلم، رن مرة تانية.
المرة دي رد.
فضل ساكت وهو بيسمع الطرف التاني.
ثواني.
ثم دقيقة.
وكل ثانية كانت ملامحه بتتغير أكتر.
لحد ما قال أخيرًا
حضرتكم متأكدين؟
وسكت.
وبعدين
يعني النتائج النهائية ظهرت؟
قلبي كان هيقف من القلق.
ولما قفل المكالمة، فضل باصص للأرض.
قلت بعصبية
هتفضل ساكت؟ فهمني!
رفع رأسه ببطء.
وقال
فاكرة من سنة لما شاركت في مشروع بحثي عن الذاكرة والوراثة؟
هززت رأسي.
كنت فاكرة فعلًا.
كان مشروع تطوعي شارك فيه مع مجموعة باحثين من الجامعة.
وقتها ما اهتمتش بالتفاصيل.
قال
وقت المشروع أخدوا عينات وراثية من المشاركين.
سكت لحظة.
ثم أكمل
وأمس اكتشفوا حاجة غريبة جدًا.
حسيت بمعدتي بتتقلص.
إيه
أخذ نفسًا عميقًا.
وقال
اكتشفوا إن التحليل القديم اللي عشت بسببه كل السنين دي كان فيه خطأ.
لم أفهم.
فأكمل
العينة اللي اتبعت من سنين ما كانتش عينتي أصلًا.
حدقت فيه.
غير مصدقة.
إيه؟!
أومأ