بنتي الي عندها 7 سنين
أنا اسمي ميرفت، وعُمري ما كنت من الستات اللي بتحب تعمل مشاكل أو ترفع صوتها وسط الناس، خصوصًا لو المكان فرح وأهله فرحانين، لكن اللي حصل لبنتي جنا في ليلة فرح أخويا أحمد كان أكبر من مجرد موقف سخيف أو سوء تفاهم. كان إهانة مقصودة لطفلة عندها ثمان سنين، طفلة كل ذنبها إنها بتحب عمها وبتعتبره بطلها المفضل. لما لقيتها قاعدة قدام كيس بقسماط مملح بينما كل الأطفال حواليها بياكلوا أكل سخن وحلوى وعصاير، حسيت إن حد بيكسر قلبي قدامي وأنا عاجزة أوقفه. حاولت أتماسك وسألت منسقة الفرح، وبعد لف ودوران اعترفت إن العروسة نيرمين هي اللي طلبت بنفسها إلغاء وجبة جنا ومنعت حد يبلغ أحمد. وقتها حسيت إن الدنيا كلها اسودت في وشي، لكني ما صرختش، وما فضحتش حد، بس صورت الورقة اللي عليها تعليماتها وإمضتها، واحتفظت بالدليل. وبعدها واجهتها، ولما اعترفت بكلامها السام وفهمت إن غيرتها من بنت صغيرة هي السبب الحقيقي، عرفت إن الموضوع أعمق من مجرد طبق أكل. رجعت لبنتي أحاول أهون عليها، وهناك وأنا براجع الصور اللي على الموبايل لقيت الصورة اللي كانت جنا مصوراها الصبح للعروسة وهي بتجهز. في الأول ما انتبهتش، لكن لما عملت تكبير للصورة شفت حاجة خلت الدم يتجمد في عروقي. في انعكاس المراية ظهر شخص واقف جوه غرفة تجهيز العروسة. ما كانش أحمد، وما كانش حد من أهل الفندق. كان رجل أعرفه كويس جدًا، وأحمد يعرفه أكتر مني. كان طارق، خطيب نيرمين القديم، الراجل اللي المفروض إنها قالت للجميع إنها قطعت علاقتها بيه من سنين ومبقاش له وجود في حياتها. الصورة ما كانتش فيها أي حاجة خارجة أو مشهد مخل، لكنها كانت كافية تفتح ألف سؤال. ليه موجود في غرفة تجهيز العروسة قبل الفرح بساعات؟ وليه متخبي ومش ظاهر للناس؟ وليه نيرمين كانت مستميتة تبعد أي حد ممكن يخلي أحمد يركز في حاجة غيرها؟ في اللحظة دي وصل أحمد وهو بيضحك وبيسأل جنا مالها، لكن أول ما شاف دموعها ضحكته اختفت. وريته الورقة الأول. قرأ السطور مرة واتنين وتلاتة، وكل ثانية كانت ملامحه بتتغير. بصلي وقال: "دي مزحة صح؟" هزيت راسي بالنفي. بعدها وريته الصورة. سكت. سكت لدرجة خوفت عليه. فضل مركز في المراية وفي الشخص اللي واقف ورا نيرمين، وبعدين رفع عينه ناحيتها من آخر القاعة.
بعد عيد ميلاد جنا اللي رجّع الضحكة لوشها، ناس كتير افتكرت إن الحكاية خلصت، وإن اللي حصل في الفرح بقى مجرد ذكرى سيئة واتقفلت صفحتها. لكن الحقيقة إن بعض الجروح مبتقفلش بسهولة، خصوصًا لما تكون في قلب طفل. جنا رجعت تضحك وتلعب، لكن من وقت للتاني كنت بلمح في عينيها نفس السؤال اللي سألته ليلة الفرح: "هو أنا عملت حاجة غلط؟" والسؤال ده كان بيوجعني أكتر من أي حاجة تانية. لأن الطفل لما يتظلم، أول حد بيشك فيه هو نفسه. كنت كل يوم أحاول أفهمها إن الغلط مش منها، وإن الإنسان أحيانًا بيتعرض لمواقف وحشة بسبب أخطاء ناس تانية، لكن الأطفال بيفكروا بطريقة مختلفة. كانوا شهور طويلة وأنا بحاول أبني جواها الثقة اللي حد حاول يهدمها في ليلة واحدة.
أما أحمد، فكان اتغير. بقى أهدى، لكنه في الحقيقة
وفي يوم من الأيام، طلب مني أقابله في كافيه بعيد عن البيت. أول ما شفته عرفت إنه ما نمش طول الليل. قعد قدامي وساكت دقائق طويلة. بعدين قال: "عارفة أكتر حاجة وجعتني إيه؟" سألته: "إيه؟" قال: "إني كنت فاكر نفسي بعرف أميز الناس." سكت شوية وبعدين كمل: "أنا مش زعلان على نفسي قد ما زعلان على جنا. بنت صغيرة كانت شايفاني بطل، وأنا مقدرتش أحميها من حاجة زي دي."
وقتها فهمت إن اللي انكسر جواه ما كانش مجرد مشروع جواز أو صورة مثالية راحت، لكن ثقته في نفسه. الإنسان لما يكتشف إنه كان مخدوع، بيبدأ يشك حتى في حكمه على الأمور. وقعدنا ساعات نتكلم، لأول مرة من سنين، زي زمان قبل ما تكبر بينا الدنيا وتاخد كل واحد في اتجاه.
مرت الشهور، وبدأت الحياة ترجع لطبيعتها. لكن المفاجأة حصلت في بداية السنة الدراسية الجديدة. جنا رجعت من المدرسة يوم وهي فرحانة بطريقة غريبة. دخلت البيت تجري وهي شايلة ورقة كبيرة وبتقول: "ماما! ماما! أنا كسبت!" فتحت الورقة لقيتها شهادة تقدير ورسمة متعلقة بمسابقة على مستوى المدرسة. كانت رسمة لعيلة واقفة تحت شجرة كبيرة. سألتها: "مين دول؟" قالت: "إحنا." ابتسمت وسألتها: "وأنا فين؟" أشارت على ست ماسكة إيد بنت صغيرة. سألتها: "وعم أحمد؟" أشارت على راجل واقف وراهم فاتح دراعاته كأنه بيحميهم.
وقتها حسيت بدموعي بتنزل من غير ما أحس.
لأن الرسمة دي كانت أكبر رد على كل اللي حصل.
الطفلة اللي حاول حد يحسسها إنها غير مرغوب فيها، رسمت نفسها وسط ناس بتحبها وتحميها.
بعدها بأيام قليلة، المدرسة عملت حفل تكريم للأطفال الفائزين. رحت أنا وأحمد وأبويا وأمي. القاعة كانت صغيرة جدًا مقارنة بقاعة الفرح الفخمة، لكن كان فيها دفا أكتر من ألف قصر. لما نادوا اسم جنا، طلعت على المسرح وسط التصفيق. أخدت جائزتها، وبعدين المذيعة سألتها سؤال بسيط: "مين أكتر شخص حابة تشكريه؟"
الجميع توقع