رجعت من الشغل
رجعت البيت بدري، ولقيت جوزي واقف في الصالون ومعاه ست ومعاها عيلين صغيرين، وشنط سفر متكومة جنب الكنبة.
من أول ما دخلت حسيت إن في حاجة غلط.
حطيت مفاتيحي على التربيزة وقلت وأنا بصوت هادي: "مين دول يا مدحت؟"
هو لف ناحيتي وكأنه كان مستنيني: "دول قاعدين هنا كام يوم."
بصيت للست اللي قاعدة في الركن، حضنها طفل نايم والتاني بيلعب في الأرض، وبهدوء غريب قالت: "أنا ميرفت… دي أخت مدحت من البلد."
الهدوء اللي في كلامها ما طمّنش قلبي.
بصيت لمدحت: "أختك؟ وأول مرة أعرف إن ليك أخت؟"
اتنهد وقال بنبرة فيها استعجال: "مفيش وقت نشرح دلوقتي، ظروفها صعبة ومفيش مكان تروحله، هتقعد هنا شوية لحد ما نحل الموضوع."
نظرت حواليا. شنط مفتوحة، هدوم أطفال على الكنبة، حاجات اتفرشت كأن البيت اتقسم من غير إذن.
"وشاورتم عليّا قبل ما تجيبوا حد هنا؟"
سكت.
وسكوتُه كان إجابة كاملة.
دخلت أوضة النوم، فتحت الدولاب ووقفت لحظة. مش زعل… لكن إحساس إن حد دخل حياتي من غير ما يستأذنني.
مدحت دخل ورايا: "ما تكبريش الموضوع، دول أهل وفي أزمة."
رديت وأنا بحط شنطة صغيرة على السرير:
رجعت الصالون، بصيت للأطفال… ملهمش ذنب، واضح إنهم مرهقين ومش فاهمين حاجة من اللي بيحصل.
قلت بهدوء: "أنا مقدّرة الظروف، بس المفروض كان يبقى في اتفاق قبل أي حاجة."
مدحت رد بسرعة: "أنا ما كنتش هسيبهم في الشارع."
"بس كان لازم نتكلم."
الست قامت وقربت مني: "أنا مش عايزة أعمل مشاكل… لو وجودي مضايقك هنمشي."
بصيت لها، وملامحي هديت أكتر: "أنا مش زعلانة منك… أنا زعلانة من الطريقة."
سكتت لحظة، وبعدين قلت لمدحت: "الليلة دي هتقعدوا، بس بكرة لازم نقعد ونتكلم بهدوء ونشوف حل يحترم البيت ويحترمنا كلنا."
مدحت ما ردش.
بس نظراته كانت مليانة عناد.
وأنا داخلة أوضتي، كنت حاسة إن في حاجة اتغيرت… مش بس في البيت، لكن في العلاقة كلها.
ومش عارفة هل بكرة هيكون بداية حل… ولا بداية مشكلة أكبر مما أتخيل.في نص الليل، صوت خفيف جالي من الصالون.
مش صوت أطفال… دول نايمين.
رفعت راسي من السرير، ووقفت أسمع.
في صوت فتح درج.
وبعدين غلقه بسرعة.
قلبي دق أسرع.
لبست إسدال وخرجت بهدوء.
الضلمة في الشقة كانت تقيلة، إلا نور خفيف
قربت خطوة… خطوتين…
وفجأة سمعت مدحت بيهمس: "إنتِ بتعملي إيه؟"
اتجمدت مكاني.
طلع ورا الباب كأنه كان مستنيني.
"مش هتنامي؟"
بصيت له: "إنت اللي بتعمل إيه دلوقتي؟"
سكت لحظة… وبعدين قال: "كنت بشوف أوراق قديمة في درج المكتب."
"أوراق إيه؟"
ما ردش.
ده الصمت التاني اللي بدأ يبقى عادة عنده… وصار يزعجني أكتر من أي كلام.
في اللحظة دي، باب أوضة الأطفال اتفتح بهدوء.
وميرفت خرجت وهي لابسة إسدال بسيط، عينيها مرهقة: "في صوت؟ العيال صحيت؟"
بصتلها: "مفيش حاجة… روحي نامي."
بس عينيها كانت مش علىّ.
كانت على مدحت.
نظرة سريعة… مش بريئة زي ما كانت بتحاول تبان.
هنا حسيت لأول مرة إن الموضوع مش مجرد ظروف.
مدحت دخل الأوضة بسرعة وقال: "يلا نامي يا خديجة، الصبح نتكلم."
لكن قبل ما يقفل الباب، لاحظت حاجة وقعت منه على الأرض.
مفتاح صغير.
مش من مفاتيحي.
ولا أعرفه.
رفعته بسرعة وقال: "ده بتاع درج قديم… سيبيه."
بس إيده كانت بترتعش.
وهنا السؤال اللي ضرب دماغي بقوة:
ليه واحد بيخبي مفتاح درج في نص الليل… في بيت مش بيته لوحده؟
رجعت
وفي دماغي حاجة واحدة بس: البيت ده… فيه حاجة مستخبية. وحاجة لو اتفتحت… مش هتقفل تاني.الصبح جه، بس أنا ما حسّيتش بيه.
قعدت على طرف السرير مستنية أي صوت من الصالون.
مفيش غير هدوء غريب… هدوء تقيل كأنه مقصود.
قمت، فتحت الباب ببطء.
الصالون فاضي.
بس الحاجة اللي شدتني… إن الشنط اتحركت.
مش مكانها امبارح.
اتبدلت.
اتبدلت بطريقة متعمدة.
دخلت على المطبخ… لقيت فنجانين قهوة متغسلين، ولسه في نقطة مية على الحافة.
يعني حد صحى قبلي.
وقعد.
وقرر يخبي أثره بسرعة.
ساعتها سمعت صوت الأطفال بيضحكوا من أوضة الصالون.
دخلت.
كانوا بيلعبوا عادي.
ميرفت كانت قاعدة جنبهم، ماسكة تليفون، أول ما شافتني قفلته بسرعة وحطته تحت المخدة.
حركة صغيرة… بس اتسجلت جوايا.
"صباح الخير" قالتها بابتسامة محسوبة.
رديت بهدوء: "صباح النور."
عينها ما ثبتتش في عيني لحظة واحدة.
في نفس اللحظة، مدحت خرج من أوضة النوم.
وشه مرهق… كأنه ما نامش.
بصلي وقال: "هنقعد نتكلم بعد الفطار."
"لا، دلوقتي."
الهدوء في صوتي خلاه يقف.
"في حاجات مش مفهومة في
سكت.
ميرفت قامت بسرعة وقالت: "أنا ممكن أخرج الولاد برّه شوية عشان ما نتعبش بعض بالكلام."
لكن قبل ما تتحرك، عيني وقعت على حاجة على الأرض.
ورقة صغيرة متنية.
نزلت لمستها.