رجعت من الشغل
كانت رسالة مكتوبة بخط إيد قديم:
"لو رجعتي البيت قبل ما تعرفي الحقيقة، متثقيش في اللي ساكنين فيه."
رفعت عيني ببطء.
مدحت كان بيبص للورقة… وميرفت كانت بتبص لمدحت.
لكن الغريب…
إن ولا واحد فيهم قال: الورقة دي جاية منين.
البيت ساعتها ما بقاش بيت.
بقى سؤال كبير.
ومدحت أخيرًا قال بصوت واطي: "إنتِ لقيتيها فين؟"
ابتسمت ابتسامة خفيفة: "أنا ما لقيتهاش… هي اللي لقتني."
وساعتها بس…
باب الشقة اتخبط خبطتين تقال من برّه.
خبطات مش زي أي زيارة.
خبطات حد عارف إن في حاجة جوا… وداخل ياخدها.الخبطات على الباب كانت تقيلة… مش خبط عابر ولا زيارات.
ثلاث خبطات ورا بعض، وبعدين سكون.
سكون أخوف من الصوت نفسه.
مدحت اتجمد مكانه.
ميرفت قامت بسرعة كأنها عارفة الخبط ده، بس بتحاول تداري.
أنا قربت من الباب… وبصيت من العين السحرية.
مفيش حد.
بس بعد ثانيتين… ظل اتحرك في السلم.
مش شخص واحد.
اتنين.
رجعت خطوة لورا.
مدحت قال بسرعة: "محدش يفتح."
بس صوته كان متأخر.
لأن المفتاح من برّه دخل في الكالون.
اتلف.
والباب اتفتح نص فتحة.
ودخل رجل كبير في السن، واقف بثبات، عينه على مدحت الأول… وبعدين عليّ أنا.
وقال بصوت هادي جدًا:
مدحت وشه اتغير تمامًا.
"إنت مين؟"
الراجل ما ردش عليه.
بص ناحيتي وقال: "إنتِ مش عارفة البيت اللي إنتِ قاعدة فيه ده اتبنى إزاي."
ميرفت رجعت خطوة لورا، ووشها شحب.
الراجل كمل: "والأهم… مش عارفة مين ليه حق فيه ومين دخله من الباب الخلفي."
سكت لحظة.
وبعدين مد إيده لجيب جلابيته… وطلع ورقة قديمة مطوية.
"دي مش أول مرة حد يحاول يخبي الحقيقة… بس أول مرة حد يعيش جواها من غير ما يعرف."
مدحت اتكلم أخيرًا بصوت مكسور: "إنت وعدتني إنك مش هتيجي هنا."
الراجل ابتسم بسخرية خفيفة: "وإنت وعدتني إنك مش هتخدع حد تاني."
بصيت بين الاتنين.
وببطء، بدأت القطع تركب في دماغي… بس الصورة كانت أخطر من إني أستوعبها مرة واحدة.
الراجل قرب خطوة للداخل وقال: "البيت ده مش بس شقة يا خديجة… ده ملف كامل."
وساعتها بس…
نور الشقة كلها فصل.
وبقينا في ظلمة كاملة…
وصوت واحد بس اللي اتسمع: صوت درج بيتفتح في الصالون لوحده.الظلام كان كامل… تقيل بشكل يخلي النفس نفسها يتسمع.
وصوت الدرج اللي اتفتح لوحده في الصالون خلّى كل واحد فينا يتجمد في مكانه.
ثواني… وبعدين صوت حاجة بتتسحب جوّه الدرج.
كأن حد جوّه الشقة…
مدحت قال بصوت واطي جدًا: "محدش يتحرك."
بس صوته كان بيرتعش.
الراجل الكبير اللي كان واقف عند الباب ما اتحركش… كأنه متعود على اللي بيحصل.
وفجأة… نور الموبايل بتاعي اتفتح لوحده.
مش أنا اللي فتحته.
الإضاءة الضعيفة كشفت جزء من الصالون.
الدرج كان مفتوح فعلًا.
والورق اللي جواه… متقلب.
مش ناقصه حاجة واضحة، بس مكانه اتغير.
ميرفت همست: "هو ده اللي كنت بخاف منه…"
بصتلها بسرعة: "من إيه؟!"
ما ردتش.
بس عينيها كانت بتلمع بخوف مش طبيعي.
الراجل قال بهدوء: "اللي جاي أخطر من الورق."
مدحت صرخ فجأة: "كفاية بقى! إنتوا داخلين في دماغي لعب!"
وفي اللحظة دي…
باب أوضة الأطفال اتفتح ببطء تاني.
واحد من العيال خرج وهو ماسك لعبة في إيده.
وقال بنعاس: "في حد كان واقف عند سريري."
الصمت اللي حصل بعد الجملة دي كان أقسى من أي صوت.
بصيت على مدحت… وبص على الراجل… وبصيت لميرفت.
كل واحد فيهم شكله بيقول حاجة مختلفة.
بس الحقيقة الوحيدة اللي بدأت تظهر…
إن الطفل ده قال حاجة… محدش فينا كان مستعد يسمعها.
وفجأة…
صوت خطوات جاي من على السلم برّه الشقة.
خطوات تقيلة… بتقرب.
والباب اللي كان مقفول نص فتحة…
اتفتح أكتر.الخطوات
ثانية صمت… وبعدين الباب اتفتح بالكامل.
دخلت سيدة في منتصف العمر، ملامحها ثابتة بشكل غريب، وفي إيدها ملف قديم سميك.
بصت حوالين الشقة كأنها بتتأكد إن كل حاجة في مكانها، وبعدين قالت بهدوء: "اتأخرتوا في فتحه."
مدحت رجع خطوة لورا: "إنتِ رجعتي ليه؟ الموضوع كان اتقفل!"
السيدة رفعت الملف: "مافيش حاجة بتتقفل وهي لسه متسجلة باسمي."
بصيت أنا بينهم، وقلبي بيخبط: "هو إيه اللي بيتكلموا عنه؟ حد يشرحلي!"
الراجل الكبير أشار لي بالملف: "الشقة دي كانت ملك عيلة كاملة… واتقسمت بطريقة غلط من سنين. وفي ورق ما اتسلمش لحد النهارده."
ميرفت فجأة انهارت قعدة على الأرض: "أنا ماكنتش عايزة أرجع هنا… أنا كنت عارفة إن ده هيحصل."
مدحت صوته اتكسر: "إنتِ وعدتيني إن الموضوع هيفضل سري!"
السيدة ردت بهدوء مخيف: "وأنت وعدتني إنك هتصلح الغلط… مش هتعيشه تاني."
سكتت لحظة، وبعدين بصتلي أنا لأول مرة بتركيز: "إنتِ مالكي الحقيقي للشقة دي، مش هو."
سكون.
كلمة واحدة قلبت كل حاجة.
بصيت لمدحت… ما ردش.
بصيت لميرفت… كانت بتبكي.
بصيت للملف… وفهمت إن كل اللي فات كان مجرد مقدمة لشيء أكبر بكتير من خيانة أو خلاف.
السيدة
بصيت للباب… وبصيت للدرج المفتوح… وبصيت لوجوههم.
وخدت نفس عميق…
ومديت إيدي على الملف.