إياك أن تلمس عربيتي

لمحة نيوز

كانت تسير على الرصيف في ذلك الصباح بعصبية واضحة، حقيبتها تضرب جانبها مع كل خطوة، وعقلها غارق في المواعيد النهائية والاجتماعات المتراكمة، تشعر أن اليوم بدأ يخرج عن سيطرتها قبل أن يبدأ أصلًا. عندما رأت الرجل بلا مأوى متكئًا على سيارتها، انفجر غضبها المكبوت دفعة واحدة، فصرخت فيه دون تفكير: «إياك تلمس عربيتي». ارتبك الرجل، اعتذر بصوت خافت، وابتعد ببطء وكأنه اعتاد مثل هذه الإهانات. كانت مستعدة لأن تركب سيارتها وتمضي وتنسى الموقف كله، لكن عينها وقعت مصادفة على سوار يلتف حول معصمه، سوار بسيط من خرزات ملونة، ومع ذلك جعل العالم يتوقف فجأة من حولها.

في لحظة واحدة عادت بها الذاكرة سنوات إلى الوراء، رأت نفسها جالسة على طاولة المطبخ الصغيرة، وابنها الصغير يجلس أمامها مركزًا بكل براءته، ينسق الخرزات واحدة تلو الأخرى، ثم يرفع رأسه بابتسامة فخر وهو يقول إن هذه الهدية لأبيه، في الليلة الأخيرة قبل أن يختفي الأب من حياتهم إلى الأبد. شعرت بانقباض حاد في صدرها، ونادت الرجل قبل أن تتركه يرحل، وسألته بلهفة من أين حصل على السوار. نظر إليها بدهشة وقال إنه لا يعرف، لا يتذكر سوى أنه استيقظ منذ سنوات في مستشفى بلا أوراق ولا اسم ولا ماضٍ واضح، وكان السوار في جيبه، الشيء الوحيد الذي تمسك به لأنه كان يمنحه
إحساسًا غريبًا بالأمان والانتماء، كأنه رابط خفي بحياة نسيها. رفعت عينيها إلى وجهه للمرة الأولى بتركيز حقيقي، لا كمشرد بل كرجل، وعندها شعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها؛ نفس العينين، نفس النظرة التي حاولت نسيانها طويلًا. الاسم الذي دفنته في أعماقها خرج من شفتيها دون وعي، فارتجف هو وتوقف، وكأن الصوت فتح بابًا مغلقًا في ذاكرته. بدأ يتحدث عن سنوات من الضياع، عن تنقله بين الشوارع والملاجئ، عن كوابيس بلا وجوه، وعن تمسكه بهذا السوار لأنه كان يشعره بأن له مكانًا ما في هذا العالم، بينما كانت هي واقفة تدرك الحقيقة التي حاولت الهروب منها لثماني سنوات كاملة:
الرجل الذي اعتقدت أنه تخلى عنها وعن ابنه، الرجل الذي حدّت عليه وبنت حياتها على غيابه، لم يختفِ بإرادته أبدًا. شيئًا فشيئًا تكشفت القصة؛ حادث قديم، إصابة في الرأس، فقدان ذاكرة، سنوات سُرقت من عمره وعمرهم. تباطأ الزمن، وانهارت القصة التي تشبثت بها طويلًا لتحمي نفسها من الألم، وبقيت أمام سؤال واحد مخيف لم تكن تعرف كيف تواجهه: كم من حياتها بُني على نصف حقيقة؟ السوار الصغير الذي صنعه طفل بيدين بريئتين لم يكن مجرد ذكرى، بل المفتاح الذي أعاد رجلًا مفقودًا إلى اسمه، وكشف لها أن الفقد أحيانًا لا يكون هجرًا، بل ضياعًا قاسيًا غيّر مصير الجميع.

تم نسخ الرابط