اتصدم لما شاف أمه بتمسح ارض المستشفي بقلم الهواري
اتصدم لما شاف أمه بتمسح ارض المستشفي بعد ما كان فاهم أن أمه ماتت…
كان عنده 12 سنة، جسمه هزيل من التعب وحرارته عالية، ماشي جنب أبوه في ممر المستشفى وهو حاسس إن رجليه تقيلة، صوت الأجهزة حواليه متداخل مع وجع راسه، ولما قعدوه على الكرسي قدام الاستقبال كان بيحاول يفتح عينه بالعافية، ساعتها شافها. ست لابسة جلابية بسيطة ومريلة قديمة، شعرها أبيض من غير صبغة، ماسكة ممسحة وبتنضف الأرض بهدوء، قلبه خبط فجأة، إحساس غريب شدّه، رفع إيده وشاور وقال لأبوه بصوت مهزوز: بابا… الست دي شبه أمي.
الأب حس إن الأرض سحبت من تحت رجليه، بص ناحيتها وشاف اللي كان خايف منه
الولد زق الكرسي وقام رغم تعبه وقال بعناد: لا، دي أمي، أنا فاكرها، فاكر عينيها، فاكر الصورة اللي شفتها بالصدفة في الدولاب، إنت قلتلي دي صورة واحدة كانت قريبة مننا… بس أنا عارف دلوقتي.
الأب حاول يشدّه، صوته ارتعش: خلاص يا ابني، كفاية.
في اللحظة دي الست رفعت راسها، عينيها وقعت عليه، الممسحة وقعت من إيدها، حسّت إن قلبها هيقف، ده ابنها، نفس الوش، نفس النظرة، نفس اسمه اللي كانت بتنطقه في سرها كل ليلة
همست باسمه، صوتها مكسور، فالأب انفجر: إبعدي عنه.
الولد بص لأبوه وبص لها وقال: يعني هي فعلاً أمي؟
الأب سكت، السكوت كان أوجع من أي إجابة، ففهم. قعد على الكرسي تاني، دماغه بتلف، وهي قعدت قدامه على الأرض، مش قادرة تقف، وابتدت تحكي، حكت عن الفقر، عن الشقة اللي كانت بتغرق، عن الإهانات، عن الخلع اللي افتكرته نجاة، عن الجواز التاني اللي وعدها بالدنيا وسابها بعد ما خد شبابها، عن الوحدة، عن الرجوع من تحت الصفر، عن المستشفى اللي اشتغلت فيها عشان لقمة العيش.
الولد سمع كل كلمة، مدمعش،
سكتت.
قال: لما كنت بعيط من السخونية ومفيش حد غير بابا؟ لما كانوا يقولولي أمك ماتت وأنا أصدق؟
حاولت تمسك إيده، سحبها وقال بحدة: متلمسينيش.
الأب قرب وقال: أنا عمري ما قلت له الحقيقة عشان ما يكرهكيش… عشان يفضل فاكر إنك ماتّي.
الولد وقف، بص لأمه نظرة أخيرة وقال: إنتِ اخترتي تمشي، وأنا اخترت أعيش من غيرك، متجيش دلوقتي تقولي أم.
حاولت تعتذر، تبكي، تبرر، لكنه لف وراح مع أبوه ناحية الكشف، وهو سايب وراه ست قاعدة على أرض المستشفى، ممسكة في الممسحة، فاهمة متأخر إن في حاجات لو اتكسرت،