قصة سارة

لمحة نيوز

اسمي سارة، وعمري 28 عاماً. في لحظة واحدة، انقلبت حياتي رأساً على عقب بسبب حادث سيارة مروع، جعلني أغيب عن الوعي تماماً وأدخل المستشفى بين الحياة والموت. لم أكن أعرف كم قضيت من الوقت في تلك الغيبوبة، لكن عندما أفَقت، أدركت أن الحادث كان مجرد بداية لكابوس آخر لم أكن أتوقعه أبداً.  

استيقظت من غيبوبة لا أعرف مدتها، كان اول شئ تعرفت عليه بعد افاقتي، رائحة المعقمات في أنفي والشعور باحساس ثقل رهيب يمنعني من الحركة. كانت الغرفة هادئة، يقطع صمتها فقط صوت أجهزة المراقبة المنتظم. شعرت وكأنني كنت مسافرة في مكان بعيد وعدت للتو إلى جسدي المنهك.

أول شيء بحثت عنه يدي — بدافع الخوف والوحدة — كان هاتفي.
وايضا لانه لم يتوقف عن الاهتزاز واصوات التنبيهات.
مئات الرسائل، آلاف التنبيهات، وعشرات المكالمات الفائتة. حاولت فتح عيني جيداً للتركيز، وما رأيته جعل قلبي يتوقف من الصدمة:

كان المنشور من صفحة أخي الاكبر. كانت الصورة المصغرة تظهر صورة لي وأنا في العناية المركزة، ومن حولي أبي وأمي بوجوه حزينة جداً، وكأنه مشهد من فيلم درامي حزين.

ضغطت على الرابط بيد ترتجف.
فُتح البث المباشر.
كان أبي وأمي وأخي يجلسون في صالة منزلنا، والإضاءة موجهة عليهم بعناية. كانت أمي تمسك منديلاً وتمسح عينيها باستمرار، رغم أنني لم أرى دمعة واحدة تسقط. وكان أخي يتحدث للكاميرا بصوت مكسور:
"الأطباء يقولون إن الأمل ضعيف.. مصاريف العناية المركزة تفوق طاقتنا. نرجوكم، لا تتركوها تموت بسبب المال!"

حدقت في الشاشة وأنا لا أزال تحت رحمة الأنابيب، والأسلاك التي تغطي جسدي، بينما هم

يصورون للعالم أنهم يحاربون من أجلي.
قامت أمي بتقريب الكاميرا من صورة لي، وقالت بنبرة تمثيلية: 
"كل دولار يفرق في حياة ابنتي، من يحبها فليتبرع في الحساب الموجود في الوصف، انظروا الي صورتها وشكلها البرئ الجميل!" ثم بكت بشكل مصطنع لا اعرف كيف لم يلاحظه الناس.

غامت الرؤية أمام عيني، و شعرت بالذهول.
كان لسان حالي يقول: "ماذا يحدث ؟ ماذا تفعلون؟. ثم اثار انتباهي عداد التبرعات في زاوية الشاشة  الذي لا يتوقف عن التوهج، مما يعني ان هناك اشخاص كثيره تقوم بالتبرع، .. ولمحت ايضا مبلغ التبرع الذي تم جمعه بالفعل، 
لقد جمعوا أكثر من 100 ألف دولار! مبلغ ضخم يكفي لعلاجي عشرات المرات.
حاولت الصراخ، لكن صوتي كان ميتاً في حلقي.

في تلك اللحظة، دخلت الممرضة. عندما رأت عيني مفتوحتين، اتسعت ملامحها بالدهشة والفرح وقالت: "سارة؟ هل تسمعينني؟ لقد ظننا ان الجهاز اطلق انذار افاقة بالخطا، الحمد لله على سلامتكِ! سأخبر المدير فوراً."

بعد دقائق، دخل مدير المستشفى والابتسامة تملأ وجهه قائلاً: "حمد لله على سلامتكِ يا سارة، هذه معجزة حقيقية، كنا ننتظر إفاقتكِ بفارغ الصبر."

ثم صمت قليلاً ونظر للممرضة بنظرة ذات معنى قبل ان يخرج، فتنحنحت الممرضة وقالت بتردد: 
"يا سارة.. معذرة، ولكن هل يمكنكِي التواصل مع أهلك ليأتوا لاستلامكِ و أيضا سداد مصاريف علاجكِ؟ الحقيقة أنهم لم يأتوا لزيارتك ولا مرة واحدة منذ يوم الحادث."
نظرتُ إليها بذهول،
ثم اضافت الممرضة بصوت مليء بالشفقة: "عائلتك لم تدفع أي مبلغ منذ دخولك في الغيبوبة. الإدارة حاولت التواصل معهم مراراً،

لكنهم كانوا يقولون دائماً إنهم لا يملكون المال. المستشفى يهدد بنقلك إلى مستشفى حكومي إذا لم يتم سداد الفواتير."

تجمد الدم في عروقي.
أنا هنا وحيدة، المستشفى يهدد بطردي لأن فواتيري لم تدفع.. وهم هناك، يحتالون على الناس ويجمعون الثروات باسم "موتي الوشيك".

فتحت صفحة التبرعات مرة أخرى. رأيت تعليقات الناس المتعاطفة: "أصلي من أجلها"، "لقد تبرعتُ بكل ما أملك لشفائها"، "ادعو لها في صلاتي كل يوم". كان الناس يقدمون أموالهم لإنقاذي، بينما عائلتي تضع تلك الأموال في حساباتها الشخصية وتتركني للمجهول.

تساءلت في تلك اللحظة:
ماذا كان سيحدث إذا كنت مازالت في الغيبوبة ولم أفق في الوقت المناسب، هل كانوا سيستمرون في الاحتيال علي الناس وتركي للمجهول!
لقد كانوا يتاجرون بأنفاسي الأخيرة، ولم يبدو عليهم انهم يكترثون لحياتي، او انهم يتوقعوا أنني سأعود للحياة لأفسد عليهم هذه التجارة. شعرت بالحزن ولكن كان علي ان اوقف هذا  الاحتيال والمتاجره بموتي اولا.

طلبت من الممرضة بهدوء: " أريد هاتفك من فضلك واتركيني لوحدي"
نظرت إلي الممرضة وكأنها فهمت كل شيء، وأومأت برأسها ثم اعطتني هاتفها وخرجت.

اتصلتُ بأبي من هاتف الممرضة بينما كنت اتابع البث المباشر علي هاتفي.
عندما رأى المكالمه على الشاشة وهو لا يزال في البث المباشر، رأيت وجهه يصفر. ارتبك، وانسحب من البث المباشر بحجج واهية. كان قد اغلق المكالمه ولم يرد.
بعد ثوانٍ اتصل ، وصوته منفعل ظناً منه ان المكالمه من المستشفي، قال : " نعم؟ ، لقد قولنا لكم سناتي للمستشفي وندفع المال لكن اعطونا فرصة اخري، نحن لا نملك

المال  الان"

حينها شعرت بالاشمئزاز، وقولت بصوت مكسور ومتعب : " اوقف هذه المهزلة فورا، انا سارة "
رد بتردد وارتباك: 
"سارة؟ هل أفقتِ حقاً؟يا لل.. يا للفرحة!"

ثم اكملت بصوت بارد وكذبت عليه لايهامه بالخطر الوشيك :
"أبي.. مدير المستشفى بجانبي الان. وقد علم بكل شئ، البث المباشر والتبرعات..،  لذلك إما أن تتبرع بكل الأموال التي جمعتها للمستشفى الآن، أو سأقدم بلاغاً للشرطة وأسجنكم جميعاً بتهمة النصب والاحتيال."

قال بصوت خافت: 
"أكيد لن تفعلي هذا بأهلك يا سارة، نحن من دمك."

رددتُ عليه بحسم: 
"أهلي قد فعلوا بي ما هو اسوأ وأنا بين الحياة والموت."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم فاجأني بسؤال جعلني أشعر بالقرف: 
"طيب.. كم تريدين من المال مقابل أن تبقي في المستشفى وتصمتي؟ قولي المبلغ الذي يرضيكِ لنكمل ما بدأناه."

صدمت من بشاعة مساومته، لدرجة اني لم اقدر علي الرد في البداية ولكن استجمعت قواي وقلت بلهجة حاسمة:
"أوقف كل شيء، وإلا سأكون أنا البث المباشر القادم والشرطة بجانبي." و انهيت المكالمة،

بعد وقت قصير، دخلت الممرضة لتبلغني بان المدير قال ان اهلي ارسلوا مبلغ  تبرع كبير يكفي فواتير علاجي وايضا يكفي لعلاج الحالات الحرجة كلها وقوائم الانتظار .

حينها تنفست الصعداء واستلقيت على السرير، وأنا أشعر بألم في قلبي يفوق ألم الجراحة.
لقد ايقنت ان الغيبوبة لم تكن ابتلاء بل كانت رحمة، والإفاقة كانت هي الصدمة الحقيقية وليس الشفاء.

والان لا ادري.. هل الشفاء الحقيقي هو أن ينجو جسدي من الموت، أم أن أنجو بنفسي من عائلة كانت تنتظر

وفاتي لتقبض الثمن؟ وكيف أعود لمن جعلوا من موتي مصدر ثروتهم ؟ "

 

تم نسخ الرابط