عندما قالت لي امي العيلة اهم من أي حاجة

لمحة نيوز

كنت واقفة ورا الكاونتر في الكافيه، لابسة المريلة اللي ريحتها قهوة محروقة ومنظف أرضيات، وبحسب الساعات اللي فاضلة في الشيفت، لما الموبايل هز فجأة. بصيت على الشاشة من غير اهتمام، ولما شفت اسم أمي قلبي نزل في رجلي، لأن أمي عمرها ما بتبعت غير لما تكون محتاجة حاجة. فتحت الرسالة، قريتها مرة، واتنين، وتلاتة، وكل مرة المعنى كان أبشع: “إحنا بعنا عربيتك.. العيلة أهم من أي حاجة. واحمدي ربنا إننا سايبينك عايشة معانا أصلاً”. حسيت كأني اتسحبت من تحت رجلي الأرض، العربية دي كانت حلمي الصغير، كانت دليل إني بعمل حاجة لنفسي، إني مش عالة، إني بني آدمة ليها مجهودها وتعبها. قبل ما أستوعب، رسالة تانية نزلت: “آه صحيح، أخوكي كريم داخل جامعة خاصة ومحتاج مصاريف الترم الأول.. حوالي 100 ألف جنيه، لازم تدفعيهم الأسبوع ده”. ساعتها حسيت إنهم مش شايفني

غير محفظة، ماكينة فلوس، حاجة بتتفتح وتتقفل وقت اللزوم. كتبت كلمة واحدة، وأنا نفسي بتترعش: “لأ”. الكلمة كانت صغيرة، بس كانت أول مرة أقولها من قلبي. بعدها بثواني، التليفون رن، صوت بابا كان مليان غضب واحتقار، “إنتي فاكرة نفسك مين؟ انتي ملكيش غير اللي نديهولك”، حاولت أتكلم، بس هو كمل، “لمي هدومك واطلعي برة، انتي ميتة بالنسبة لي”. الخط اتقفل، وأنا واقفة وسط صوت الماكينات والزبائن، حاسة إن حياتي كلها اتكسرت في مكالمة. خلصت الشيفت وأنا شبح، رجعت البيت، لقيته هادي زيادة عن اللزوم، كأن الروح اتشالت منه. سألت أمي بعينين بتوجع: “انتوا بعتوها بجد؟”، ردت من غير ما تبصلي: “طبعاً، مستقبل أخوكي أهم من لعب العيال دي”. بابا دخل وقال: “طول ما انتي تحت سقفي، ملكيش رأي”. ساعتها فهمت إن الحب عندهم مش حب، ده عقد إذعان. دخلت أوضتي، لمّيت هدومي،
اللابتوب، الدهب اللي جدتي سابهولي، أوراقي، وكل قطعة كانت بتطلعني خطوة برة حياتهم. أمي قالت بسخرية: “بلاش تمثيل”، وبابا وقف يأمرني أسيب الشنط، بس المرة دي ما خفتش. خرجت، وروحت عند صاحبتي نهى، بيتها كان بسيط، بس أأمن من قصر من غير أمان. قعدت على الكنبة وأنا مش قادرة أتنفس، نهى بصتلي وقالت: “اللي بيعملوه ده ظلم”. بالليل، لما الدنيا هديت، فتحت اللابتوب، فولدر قديم كنت محتفظة فيه بكل حاجة: أوراق العربية، التوكيلات، الحسابات، الإيصالات، تفاصيل شغلي الحر اللي عمري ما قلتلهم عليه، المشروع الصغير اللي كنت ببنيه واحدة واحدة من غير ما حد يحس، الحساب البنكي اللي باسمي لوحدي، والتوكيل اللي بابا ماضيهولي من سنين من غير ما يفكر. قلت لنهى: “أنا مش بسرق، أنا بس باخد حقي”. تاني يوم الصبح، التليفون مولع، رسايل، مكالمات، فويس نوتس عياط،
أخويا بيصرخ، وأخيراً بابا بيتصل برجاء. ساعتها عرفت إنهم اكتشفوا إن العربية اتباعت بتوكيل باسمي، وإن الفلوس دخلت حسابي، وإن من غير توقيعي مش هيعرفوا يسحبوا جنيه، وإن مشروع كريم اتعطل، والجامعة رافضة تستناه. قعدت أبص على الشاشة، لأول مرة حاسة بالقوة، مش قوة انتقام، قوة إن صوتي بقى مسموع. رديت أخيراً، بابا صوته مكسور: “إلحقي، احنا محتاجينك”. قلت بهدوء: “زي ما كنتوا محتاجين العربية؟ زي ما كنتوا شايفني؟ أنا مش ضد أخويا، بس مش هضحي بنفسي تاني”. قفلت، وحسيت إني اتولدت من جديد. بعد شهور، استأجرت شقة صغيرة، كملت مشروعي، رجعت اشتري عربية أحسن، وساعدت كريم يدخل جامعة، بس بشروطي، ومن غير إهانة. أهلي عمرهم ما اعتذروا، بس اتعلموا إن اللي بيتكسر مش دايماً بيرجع، وإن البنت اللي سكتت سنين، لما تقول “لأ” مرة، ممكن تغير كل حاجة.

تم نسخ الرابط