الوجود في يوم السنة الكبيسة
قالوا للعالم كله إنني متُّ في اليوم الذي وُلدتُ فيه، قالوا إنني لم أتنفّس، وإن صرختي الأولى لم تخرج أبدًا، وإن جسدي الصغير خرج صامتًا وباردًا بين يدي الطبيب، هكذا حكى أبي للمستشفى، وهكذا بكت أمي أمام القِس، وهكذا نظر الجيران إلينا بعين الشفقة قبل أن يغلقوا الصفحة وينسوا اسمي الذي لم يُنطق قط، لكن الحقيقة كانت أنني كنت أتنفّس، أصرخ، أتحرك، وأعيش، فقط ليس في العالم الذي يعرفونه، بل في عالم تحت أقدامهم مباشرة، في قبو بلا نوافذ، بلا أصوات، بلا زمن، حيث كانت حياتي تبدأ وتنتهي بين جدران خرسانية رمادية ورائحة العفن والرطوبة.
وُلدتُ في التاسع والعشرين من فبراير، يوم لا يأتي إلا مرة كل أربع سنوات، ومنذ اللحظة الأولى قالا إن هذا ليس طبيعيًا، إن هذا يوم ملعون، يوم لا يجب أن يولد فيه أحد، أمي قالت إن الممرضة نظرت إليّ بخوف، أبي قال إن السماء كانت رمادية بشكل غير معتاد، ومنذ تلك الليلة قررا أن وجودي خطأ يجب إخفاؤه، لا إصلاحه. سجّلا وفاتي قبل أن يُسجّلا اسمي، وبكيا أمام الناس بينما كانا يخبئانني في صندوق سيارة، ملفوفة في بطانية، ينقلانني إلى البيت الذي سيصبح قبري وأنا على قيد الحياة.
القبو كان جاهزًا قبل أن أتعلم المشي، أبي مهندس، ذكي،
كبرت هناك، سنة بعد سنة، أتعلم العدّ من شقوق الأرض، وأقيس الوقت بعدد الوجبات التي تُنزَل إليّ في فتحة صغيرة في الباب، صباحًا وعصرًا، لا فطور مع العائلة، لا عشاء، فقط صوانٍ معدنية باردة، أمي لا تنظر إليّ مباشرة إلا نادرًا، وأبي يتكلم وكأنه يشرح معادلة، لا ابنة، لا مشاعر، فقط "حالة". قالا لي إن العالم في الخارج لا يشبه ما في الكتب، وإن الناس لو عرفوا بوجودي سيصرخون، سيهربون، سيحبسونني، سيؤذونني، وإنهما وحدهما من يحميني، وإن هذا السجن هو رحمة، وإن الظلام أفضل من النار.
وفي البداية، كنت أؤمن بكل كلمة، كنت أرتجف خوفًا من فكرة الصعود، من الضوء، من الوجوه، كنت أضع يدي على أذنيّ عندما أسمع أصوات سيارات من فوق رأسي، وأظن أن هذا العالم مليء بالوحوش، وأنني الوحش الأكبر بينهم.
لكن مرة واحدة كل أربع سنوات، كان كل شيء يتغير، في يوم واحد فقط، التاسع والعشرين من فبراير، كانوا
قالت أمي دائمًا: "أنتِ تفهمين، صح؟" وكنت أ nod برأسي لأنني لم أعرف معنى عدم الفهم.
منعوني من المرايا عندما بلغت الثانية عشرة، قال أبي إن ملامحي تتغير بشكل "غير مريح"، لم أكن أعرف ماذا يعني ذلك، لكنني بدأت ألاحظ أن أمي لا تطيل النظر إليّ، وأن أبي يشيح بوجهه بسرعة، بدأت أتساءل: لو كنت ملعونة، لماذا؟ ماذا فعلت؟ هل الذنب في تاريخ ميلادي أم في عينيّ أم في نفسي التي لم تُخلق لتُرى؟
علّموني كذبة واحدة فقط، لكنها كانت الكذبة الأهم، قال أبي وهو ينظر لي بصرامة: "أنتِ متِّ عند الولادة، حتى أنتِ يجب أن تصدّقي هذا، لأن الحقيقة أخطر من الموت". حفظت الجملة كما يحفظ السجناء أرقام زنزاناتهم.
وفي عيد ميلادي السادس عشر، في يومي الرابع فقط فوق
في تلك الليلة، لم أنزل القبو، اختبأت، لأول مرة، اخترت الخوف بدل الطاعة، سمعتهم يبحثون، يصرخون باسمي الذي لم يُنطق أمام أحد، واكتشفت أن العالم لم ينهَر عندما تنفّست فيه، لم تصرخ السماء، لم يهرب الناس، فقط كنت فتاة خرجت من الظل.
بعد أيام، وقفت الشرطة في البيت الكبير، نفس البيت الذي بكى فيه الجيران قبل ستة عشر عامًا، وهذه المرة لم يكن هناك تمثيل، أمي لم تبكِ، أبي لم يتكلم، وأنا وقفت، نحيفة، شاحبة، حية، وقلت اسمي بصوت مسموع لأول مرة.
اليوم، لا أعرف كيف أعيش مثل الآخرين، الضوء ما زال يؤلمني، الأصوات ترعبني، لكنني أتنفّس، كل يوم، وليس مرة كل أربع سنوات، ولم أعد أصدق أنني وُلدت خطأ، الخطأ كان أنهم أرادوا عالمًا بلا عيوب، فصنعوا وحشًا من خوفهم، وسمّوه ابنتهم، ودفنوها وهي حيّة… لكنني خرجت.
ولو حابب أكتب جزء ثاني بعد الخروج للعالم، أو نهاية أكثر سوداوية أو