امرأة في الثمانون من عمرها

لمحة نيوز

أمك عندها 80 سنة… وحامل في الشهر السادس» دي الجملة اللي قالهالي الدكتور إبراهيم اليوم ده في المستشفى ومن اللحظة دي كل حاجة كنت مصدّقها في حياتي اتكسرت لو حد قالّي قبل كده إن ست عندها تمانين سنة ممكن تبقى حامل كنت ضحكت ومشيت وقلت عليه مجنون أو بيألف بس دي مش حكاية دي حياتي دي أمي ودي اللحظة اللي الدنيا وقفت فيها إزاي كل ده بدأ أمي كانت تعبانة بقالها شهور بس عمرها ما اشتكت دي طبعها قوية ساكتة وعنيدة كانت تصحى كل يوم الصبح تكنس الحوش على مهَل وبعدين تقعد تحت شجرة المانجا تستريح بس بطنها كان بيتغير في الأول افتكرت إن ده عادي كِبر سن انتفاخ أي حاجة بس لا بطنها كان مدوّر ناشف وبيكبر يوم ورا يوم الليلة اللي خوّفتني بجد في ليلة وهي بتحاول تقوم من على الكرسي مسكت بطنها فجأة ونَفَسها اتقطع قالت بهدوء «إميكا…» جريت عليها «مالك يا أمي؟» حطّيت إيدي على بطنها قالتلي «حاسس؟» كنت عايز أقول لأ كنت عايز أهرب بس حسّيت حاجة اتحركت مش وجع مش غازات حركة سحبت إيدي كأني لمست نار قلت برعب «ماما… إيه اللي جواكي؟» هزّت راسها وقالت وهي بتهمس «مش عارفة… بس بيصحّيني من النوم بالليل» الليلة دي ما نامتش وبالصبح وقعت في الحمّام ساعتها الخوف دخل قلبي رسمي المستشفى والمكالمة اللي هزّت العيلة جرينا بيها على المستشفى تحاليل فحوصات دكاترة داخلين طالعين ووشوشهم متلخبطة ولا حد فاهم حاجة دكتور قالّي «لازم نقبلها… دي ست كبيرة أي حاجة ممكن تحصل» عرفت إني لوحدي مش هقدر طلعت برا وبدأت أكلّم إخواتي أخويا الكبير في أبوجا أختي في بورت هاركورت وواحد تاني

في غانا قلت لهم «ارجعوا البيت حالًا… ماما تعبانة قوي والدكاترة مش فاهمين حاجة» قالت أختي «يعني إيه مش فاهمين؟» بصّيت لأمي من ورا الإزاز وقلت «مش قادر أشرح… بس في حاجة غلط في جسمها» الكلام الغامض رجعت جنب سريرها فتحت عينيها وبصّتلي قالت «ما تخوفهمش» قلت لها «ماما… إنتي مخبية علينا إيه؟» عينيها دمعت وقالت «في حاجات… وقتها لسه ما جاش» ساعتها ما فهمتش ولا كنت متخيّل اللي جاي القرار اللي حسّيته حكم إعدام بالليل دخل دكتور كبير اسمه الدكتور إبراهيم قال بهدوء بس القلق كان باين في عينه «في ضغط جوه بطنها… مش فاهمينه كامل ولو ما عملناش عملية دلوقتي ممكن ما تعيشش للصبح» قلت مصدوم «عملية؟ على ست عندها 80 سنة؟» قال «مخاطرة… بس إننا ما نعملش حاجة أخطر» مسكت إيد أمي قلت «ماما… عايزين يعملوا عملية» ابتسمت ابتسامة ضعيفة وقالت «أنا عشت كتير… لو وقتي جه يبقى خلاص» وأخدوها على غرفة العمليات الانتظار اللي كسرني الوقت وقف الدقايق بقت ساعات افتكرت كلام كانت دايمًا تقوله وأنا صغير «مش كل الأطفال بييجوا في وقتهم… في أرواح بتستنى» وفجأة النور قطع لحظة قلبي وقف ممرضة خرجت وهي بتعيّط «لو سمحت… صلّوا» وقفت برتعش وبعدين سمعته بُكا ضعيف بس واضح قلبت الترابيزة وأنا واقف «إنتوا سمعتوا؟!» ولا حد رد الحقيقة اللي دمّرت كل حاجة باب العمليات اتفتح الدكتور إبراهيم خرج وشّه شاحب كأنه شاف حاجة مش قادر يفسّرها جريت عليه «أمي… عايشة؟» قال «أيوه» كنت هقع من الراحة بس هو ما ابتسمش قال «بس لقينا حاجة…» قلبي رجع يدق بعنف «إيه؟» أخد نفس عميق وقال «إحنا ما
كناش بنجري عملية عادية… أمك… حامل في الشهر السادس» ضحكت ضحكة مكسورة «دكتور، ده مش وقت هزار» قال بجدية «أنا ما بهزرش… في جنين حي وله نبض» رجلي خذلتني قلت «إزاي؟ دي عندها 80 سنة!» قال بصوت واطي «والجنين… اتفاعل أثناء الجراحة كأنه… كان حاسس بوجودنا» وبعدين قال الجملة اللي كسرتني «والحمل ده… ما ينفعش يتفسّر بعلم الإنسان» وبصلي في عيني وقال «ومش متأكدين… نوع الطفل اللي أمك شايلاه»

وبعد ما الدكتور إبراهيم قاللي «الحمل ده… ما ينفعش يتفسّر بعلم الإنسان» وبدأت أحس بخوف ما حصلش قبل كده، قلبي كان بيخبط كأن هيقف أي لحظة، ومسكّت راس أمي بحذر، وهي في غرفة العمليات، وحسّيت إن كل اللحظات اللي عدّت في حياتي جم في ثانية واحدة من الصدمة والقلق والدهشة وكل المشاعر اللي عمري ما حسّيت بيها قبل كده. بدأت العملية، والدكاترة حواليها مش مصدّقين، كل واحد منهم بيتفرّج على الأم وعلى البطن، وبيتكلّموا بهدوء عن نبض الجنين وحركته، وكنت واقف بعيد شوية، مش قادر أبص مباشرة، بس ما كنتش قادر أسيب إيدي عن الطاولة وأهرب من كل اللي بيحصل. الدكتور إبراهيم بيكلّم الممرضة، وبيقيس الضغط والنبض، وبيسألني «إنت فاهم اللي بيحصل هنا؟» قلتله بصوت مرتعش «لا… مش فاهم حاجة… ده مستحيل يحصل» لكنه اكتفى بهز راسه وقال «ده فعلاً بيحصل، وده أغرب حمل شفته في حياتي». الساعات بعد كده كانت كأنها سنين، كل ثانية كانت بتمضي وأنا واقف على أطراف أصابعي، أسمع أصوات الأجهزة، كل بيب… بيب… كل نبضة كانت تقشعرلي كل جسم، وأمي بتتنفس بصعوبة، بس عينها كانت هادية، كأنها عارفة حاجة أنا

مش فاهمها. وفجأة… حصل شيء ما كنتش مستعدله، حركة في البطن أقوى من أي حركة شفتها قبل كده، الدكتور إبراهيم جرى على الجهاز وقال بصوت مرتفع «الجنين بيتحرك! مش طبيعي… ده رد فعل مباشر!» قلبي وقع، ودموعي كادت تنزل، كنت مش مصدق، وكل الدكاترة من حولي بيتفرجوا بدهشة، فيه سكون كامل، كأن المكان كله وقف لحظة. وبعد حوالي نص ساعة، الدكتور إبراهيم قال «دلوقتي وصلنا لمرحلة الولادة… الجنين مستعد ييجي»، وبدأ الفريق يشتغل بسرعة لكن بحذر، وأنا واقف وأمسك إيد أمي، وهي بتتنفس بصعوبة وتحاول تبتسم. وبعد صراع طويل وكل لحظة فيها خوف من الموت أو من أي حاجة مش مفهومة، خرج الطفل، صغير وناعم، صوته ضعيف في البداية بس واضح، وصرخت من الفرحة والصدمة في نفس الوقت، ودموعي سيبت وشي. الدكتور إبراهيم قال «ده طفل حي… كل النبضات كويسة… بس صدقوني… ده الحمل ده مش طبيعي… ده معجزة». حملت أمي الطفل، وعيونها دمعت وقالتلي بهدوء «ده اللي كنت مستنيه… الروح اللي كانت بتصحّيني من النوم بالليل… ده ولدنا». وأنا واقف مش مصدق، كل حاجة حواليّ اتغيرت، العمر، الوقت، كل اللي اعتقدت إني أعرفه عن الدنيا اتقلب فوق تحت، الست اللي عندها 80 سنة قدرت تخطف المعجزات من العمر نفسه، وتحمل طفل صغير حقيقي… طفل حي. ومن اليوم ده، كل حاجة في حياتنا اتغيرت، العيلة كلها رجعت، والابتسامة رجعت على وش أمي، والطفل كان دليل على إن الدنيا فيها حاجات ما ينفعش العلم يفسّرها، حاجات أغرب من أي خيال، وده خلّى كل واحد فينا يحس إن الحياة نفسها معجزة… مش بس الأمومة، مش بس الولادة، لكن الحياة بكل تفاصيلها.

تم نسخ الرابط