زوجي وابنتي
أول ما الفيديو اشتغل، قلبي كان بيدق في وداني.
الصورة كانت ثابتة… أحمد وسلـمى قاعدين في العربية. الهوا كان باين إنه ساقع، والزجاج عليه بخار خفيف. مفيش موسيقى. مفيش هزار.
سكت.
أحمد سألها بصوت واطي: «عاملة إيه النهارده؟»
سلـمى ما ردتش على طول. كانت باصة من الشباك. وبعدين قالت: «وحشة.»
شدّ فرامل العربية على جنب. وقال: «احكي.»
الكلمة دي… كسرتني.
مش لأنه عمل حاجة غلط. لكن لأنه عمل اللي أنا ماعملتوش.
الفيديو كمل.
سلـمى بدأت تتكلم عن المدرسة. عن البنات اللي بيفضلوا يلمّحوا إنها “مش شبه مامتها”. عن المدرّسة اللي دايمًا بتقارنها بغيرها. عن الضغط. عن إنها حاسة إنها مخنوقة ومش عارفة تقول لمين.
وأنا؟ أنا كنت فاكرة سكوتها مراهقة. فاكرة قفل بابها طبيعي. فاكرة إن “هتعدّي”.
أحمد ما قاطعهاش. ما نصحهاش. ما عملش نفسه فاهم كل حاجة.
كان بس سايق. وسايبها تتكلم.
في مشوار تاني، الفيديو جابهم واقفين قدام محل آيس كريم فعلًا. اشترى واحد. ولما رجع العربية، سلّمهولها وقال: «مش لازم تاكليه… بس خديه.
ضحكت ضحكة صغيرة. أول ضحكة أسمعها منها من شهور.
في فيديو تالت، ما وصلوش أي محل. ركنوا جنب كورنيش. وسابوا العربية شغالة. وسكتوا.
الدقايق كانت بتمشي. ولا كلمة.
وأنا فاكرة إن الصمت دايمًا حاجة وحشة. بس الصمت ده… كان أمان.
آخر فيديو خلّاني أعيّط بجد.
سلـمى قالت: «أنا بخاف أزعّلك يا ماما.»
أحمد رد بهدوء: «أمك أقوى مما إنتِ فاكرة. بس حتى الأقوياء محتاجين يسمعوا.»
قفلت اللابتوب.
وقعدت.
مش لأن في سر. لكن لأن في حقيقة.
أنا كنت خايفة. فشكّيت. وهو كان بيحمي بنتي… بطريقة هادية، من غير ما يحرجها، ولا يكسر ثقتها في نفسها.
تاني يوم، عملت حاجة ماعملتهاش قبل كده.
خبطت على باب أوضتها. ودخلت. وقعدت جنبها.
وقلت: «تحبي نطلع نتمشى شوية؟ من غير سبب.»
بصّتلي. وبعدين ابتسمت. ابتسامة صغيرة… بس حقيقية.
وساعتها فهمت: مش كل خوف معناه . أحيانًا… معناه إن في حد شايل عنك حمل، وانتِ ماخدتيش بالك.
بعد اليوم ده، الدنيا ما بقتش مثالية فجأة.
سلمى ما بقتش تحكي كل حاجة. وأنا ما بقيتش أم خارقة. وأحمد… فضل
بس في حاجة اتغيرت.
بقينا نقعد مع بعض أكتر. مش قعدات اعترافات تقيلة… قعدات عادية. شاي بالنعناع. مسلسل قديم. ضحك من غير سبب.
مشاوير الآيس كريم ما اختفتش. بس ما بقتش سر.
مرّة، أحمد سأل: «تحبي تيجي معانا؟»
سلمى بصّتلي وكأنها بتستأذن. وأنا ضحكت وقلت: «يلا.»
ركبنا العربية التلاتة. ولا حد فتح موضوع تقيل. ولا حد فتّش في ماضي. ولا حد حاسب حد.
بس وإحنا راجعين، سلمى قالت فجأة: «أنا بحب لما نطلع كده.»
الجملة كانت بسيطة. بس وقفت العربية جوه قلبي.
فهمت ساعتها إن الخوف اللي كان جوايا… مش خوف على بنتي. كان خوف إني أكون قصّرت. إني أسيب حد غيري يسمع وجعها قبلي.
بس الحقيقة؟ الأمومة مش سباق. ومش ملكية. ومش لازم أكون الوحيدة اللي تطبطب.
أحيانًا، أحسن حاجة نعملها لبناتنا… إننا نسمحلهم يكون عندهم مساحات أمان مختلفة. ونثق إن الحب الحقيقي عمره ما بيستخبى.
النهارده، لما أحمد يمسك المفاتيح ويسأل: «آيس كريم؟»
بسأله: «نجيب إيه؟»
وأنا بابتسم… من غير عقدة. من غير خوف.
في الليلة دي، وأنا قافلة اللابتوب، فهمت حاجة ما كنتش جاهزة أعترف بيها قبل كده:
مش كل خوف اسمه إحساس أم. أحيانًا اسمه ذنب متأخر.
ذنب إني ما سمعتش بدري. ذنب إني صدّقت إن الهدوء علامة أمان. ذنب إني افتكرت إن القرب بيتقاس بالوقت، مش بالإنصات.
أحمد ما خدش بنتي مني. هو كان واقف مكان أنا سيبته فاضي من غير ما أقصد.
والحقيقة اللي وجعتني؟ إنه ما عملش حاجة غلط. هو بس كان حاضر… وأنا كنت مرهقة.
تاني يوم، بصّيت لسلمى وهي خارجة من باب البيت، شنطتها على ضهرها، وسماعتها في ودانها. بنت كبيرة. مش طفلة. ومش ملك حد.
ناديت عليها. لفّت. وقلت: «لو احتاجتي تحكي… أنا موجودة.»
ما سألتش. ما ضغطتش. ما فتحتش ملفات قديمة.
بس سيبت الباب مفتوح.
وفي اللحظة دي فهمت: الثقة مش إنك تراقبي. الثقة إنك تعترفي. وإنك تقفي قدّام خوفك من غير ما تدوري على متهم.
مشاوير الآيس كريم كانت حقيقية. بس الأهم؟ السكّة اللي كانوا ماشيين فيها كانت سكّة أمان.
وأنا… اتعلّمت الدرس متأخر شوية. بس لسه في وقت.
لأن أقسى حاجة ممكن تعملها أم؟ إنها تكسر أمان بنتها وهي فاكرة إنها بتحميها.
— انتهت الحكاية —