السبت ده جه على مهله، صباح تقيل شوية بس مريح، من النوع اللي ما بيزقّكش من السرير ولا يقولك قوم غصب عنك، النور داخل من شباك المطبخ كان هادي وناعم كأنه بيستأذن يدخل، وأنا كنت مستني اليوم ده من أول الأسبوع، لا منبّه يرن، لا إيميل يتفتح، لا موبايل يرن بمكالمة تبدأ بـ «معلش، محتاجك دقيقة»، كنت عايز أقعد بني آدم، قهوة سخنة، الكنبة، الماتش بعد الضهر، وساعات محدش يعرف يوصل لي فيها، واقف في المطبخ بتيشيرت قديم وحافي على البلاط الساقع والشباك مفتوح، من آخر الشارع صوت ماكينة حشيش شغالة يفتكرني إن في ناس قررت تبقى نشيطة النهارده، الجنينة عندي كانت بقالها أسابيع بتستغيث، الحشيش عالي، الورق الناشف متكوّم في الزوايا كأنه ساكن إيجار قديم، وبقعة حشائش كده خرجت من مرحلة الإهمال وبقت وقحة رسمي، بس قلت مش النهارده، السبت ده مش يوم إنتاج ولا شغل، ده يوم أكون فيه إنسان وبس، وفجأة الجرس رن، الرنة السريعة الحادة اللي دايمًا بتيجي في وقت غلط، تنهدت وبصيت على الساعة وبصيت على الكنبة وقلت يا سلام، وفتحت الباب، لقيت ولدين واقفين بهدوء زيادة عن اللزوم، رفيعين، مسمّرين من الشمس، واحد لابس كاب أزرق باهت والتاني ماسك جاروف معدني شكله تقيل على إيده، شكلهم ما يعديش 11 أو 12 سنة، عنيهم صاحيين قوي بس فيها حاجة مش براءة، فيها احتياج، الولد الأطول قرب خطوة وقلع الكاب وقال بأدب غريب «مساء الخير يا فندم، تحب ننضفلك الجنينة؟ نشيل الحشائش ونكنس ونلم كل حاجة، بـ150 دولار»، قالها
بسرعة كأنه حافظها وكأنه عارف إن أي تردد هيضيع الفرصة، بصيت وراهم على الجنينة، شغل بجد، شمس وضهر متني وإيدين وسخة، من غير ما أقصد حسبتها في دماغي، تلات ساعات على الأقل، 75 دولار لكل واحد، حسيت حاجة شدت صدري، قلتله «150 لكل واحد؟» الولد الأصغر هز راسه بسرعة وخضّة وقال «لا يا فندم، كله على بعضه، كده كويس لينا»، الجملة دي وقعت تقيلة، بصيت على الكوتشي المتهالك، على الإيدين اللي باين عليها شغل أكتر من سنهم، دول مش عيال بتلعب، دول عيال مضطرة تكبر بدري، مش بيطلبوا شفقة، بيقدموا كرامة بسعر رخيص، افتكرت تعبّي الوهمي وشكواي، قلت «ماشي»، عين الولد الكبير نورت لحظة، والتاني ابتسم ابتسامة واحد حس إنه كسب حاجة كبيرة، ودخلوا على الشغل على طول، لا موبايلات ولا هزار، اشتغلوا كأن الجنينة بتاعتهم، شالوا الحشائش من الجذور، نضفوا الزوايا اللي محدش بيبص عليها، لمّوا فروع وورق وحتى زبالة مش بتاعتي، وفي مرة لقيت الصغير بينضف الرصيف بره السور، ناديتله وقلتله ما تعملش كده، الكبير بصلي ومسح العرق وقال «كده شكلها يبقى مظبوط»، مش ماشي حالها، مظبوط، قعدت أتفرج والقهوة بردت في إيدي والماتش بقى مالوش أي معنى، في عالم كله مستعجل ومستهين، اتنين عيال بيشتغلوا في صمت وإتقان، ولما خلصوا خبطوا على الباب، عرقانين وإيديهم سودا من التراب بس واقفين مرفوعين، قلتلهم استنوا ودخلت جبت الفلوس، بس وأنا بعدّها حسيت إن الـ150 دي إهانة مش أجر، رجعت واديت كل واحد ظرف، فتحوه وهما مترددين، لقوا
200 دولار لكل واحد، الصغير عينه دمعت وقال «ده كتير قوي»، قلتله «لا، ده العدل»، الكبير وقف لحظة وقال «إحنا كنا عايزين نلم فلوس علاج مامتنا، عندها كُلى ومش قادرة تشتغل»، سكت شوية وكمل «إحنا مش بنحب نشحت»، ساعتها حسيت إني أنا اللي اتعلمت، مش هم، اتعلمت إن في ناس لسه بتشتغل بشرف، وإن التعب الحقيقي مش دايمًا صوته عالي، وإن أحيانًا جرس الباب اللي بنكرهه بيبقى درس، مش إزعاج، دخلوا مشيوا وأنا واقف ببص على الجنينة، ما كانتش بس نضيفة، كانت مستقيمة، مظبوطة، كأن حد رجّعلي حاجة كنت ناسيها، فكرة إن الشغل الصح، والنية الصح، لسه ليهم مكان، ومن يومها، كل ما حد يرن عليّ بدري يوم سبت، أفتكر الولدين دول، وأفتح الباب.
عدّى يومين تلاتة بعد السبت ده، بس الموضوع ما عدّاش من دماغي، الجنينة كل ما أبصّ عليها أحس إنها بتبصّلي، مش عارف أشرحها غير كده، كأنها فاكراني بحاجة أنا نفسي كنت ناسيها، كل زاوية نضيفة كانت بتفكرني بإيدين العيال وهما شغالين في صمت، وبقيت كل ما أمسك الفلوس أو أشتكي من تعب الشغل أفتكر الصغير وهو بيقول «كده كويس لينا»، الجملة دي علّقت جوايا زي شوكة، يوم الخميس اللي بعده سمعت خبط خفيف على الباب، مش رنة الجرس، خبط متردد كده، فتحت لقيت آرون واقف لوحده، نفس الكاب، نفس الوقفة المحترمة، بس عنيه كان فيها قلق، قال لي «معلش يا فندم، أنا عارف إننا خلصنا الشغل، بس كنت حابب أشكرك، ماما اتحجزت النهارده والدكتور قال إن العلاج اللي دفعناه فرق»، سكت شوية وبص في الأرض،
وقال «وكنت عايز أسأل… لو في شغل تاني، أي شغل»، حسيت ساعتها إني مش قدامه صاحب بيت، أنا قدام راجل صغير شايل بيت كامل فوق كتافه، قلتله يدخل، عملتله شاي، قعد مش ماسك الكوباية في الأول كأنه مش متعود يقعد، حكالي عن أمه، عن لوكاس، عن إن أبوهم مش موجود من زمان، وعن إنهم كل يوم سبت بيطلعوا من بيتهم قبل الشمس علشان يدوروا على شغل، ساعات يرجعوا بحاجة وساعات ولا حاجة، وأنا سامعه وحاسس إني طول عمري عايش بنص قلبي، قلتله من غير تفكير «من النهارده، كل أسبوع تيجوا تنضفوا الجنينة، ونظبط الشارع كله لو حابين، والفلوس ثابتة»، حاول يعترض، حاول يقول كتير، بس أنا وقفته، مش شفقة، شراكة، من يومها بقوا يجوا، والناس في الشارع بدأت تلاحظ، واحدة تطلبهم، واحد يشاور، وبقوا معروفين، مش باسمهم، بس بسمعتهم، “العيال اللي شغلهم نضيف”، وفي مرة شفت لوكاس بيصلّح سياج مكسور من غير ما حد يطلب، لما سألته قال «ما ينفعش نسيبه كده»، ووقتها فهمت إن التربية مش فلوس، التربية موقف، بعد شهرين الجنينة بقت مش بس نضيفة، بقت مكان ناس تقعد فيه، الجيران بقوا يقفوا، يحكوا، يضحكوا، والعيال وسطهم، مش شغالين بس، متشافين، وفي يوم السبت اللي بعد شهر، قعدت على نفس الدرجة، نفس القهوة، بس إحساس مختلف، حسيت إني مش لوحدي، إن العالم لسه فيه أمل صغير ماشي على رجلين رفيعة، وإن 150 دولار كانوا مجرد البداية، البداية لحكاية علمتني إن الخير مش دايمًا صوت عالي، ساعات بيخبط خبط خفيف، ولو فتحت له… يغيّرك للأبد.