ظنوا أنه رجل فقير

لمحة نيوز

رامون كان راجل بسيط قوي، من الناس اللي تشتغل من الفجر للمغرب ووشها في الأرض، عمره ما اشتكى ولا مد إيده لحد، اتجوز بدري وخلف نينا، وبعد سبع سنين بس الدنيا قست عليه وخدت منه مراته في مرض مفاجئ، ساعتها حس إن الضهر اتكسر بس قرر يعيش علشان بنته وبس، بقى الأب والأم والصديق وكل الدنيا، اشتغل في المقاولات، مرة معلم ومرة مهندس موقع ومرة مجرد راجل بيقف تحت الشمس يراقب العمال، لبسه دايمًا بسيط، هدومه على قدّه، بس قلبه كان أغنى من أي حد، وفي يوم عيد ميلاد نينا السابع وهما راكبين الجيبني راجعين من المدرسة بصت له بعينيها اللي شبه أمها وقالتله بهدوء طفولي موجع بابا فاكر العروسة الروز اللي كانت في مول لوكس؟ نفسي فيها قوي يا بابا، رامون ساعتها حس بحاجة تخبط في قلبه، العروسة دي كان شافها قبل كده وهو معدي، عارف إنها غالية وغالية قوي، بس ابتسم وقالها حاضر يا نينا نجيبها النهارده، نزلوا المول وهو لسه جاي من موقع بناء في محافظة بعيدة، التراب لسه على هدومه والشبشب عليه طين ناشف، دخلوا المول وكل العيون لفّت ناحيتهم، ناس شيك، برفانات، ضحك عالي، وهو ماسك إيد بنته بإيد خشنة من الشغل، دخلوا محل Velvet & Gold أغلى محل لعب وشنط، أول ما دخلوا واحدة من البايعين اسمها جلندا جريت عليهم ووقفت قدامهم وقالت ببرود المكان ده مش للشحاتين اتفضلوا برا، رامون قالها بهدوء أنا مش بشحت بنتي عايزة العروسة دي وأنا جاي أشتريها، ضحكت ضحكة سخرية وقالت العروسة دي تمنها أكتر من مرتبك سنة، إنت

فاكر نفسك فين؟ الزباين ابتدت تبص وتهمس، واحدة ست قالت لصحبتها الناس دي بقت تدخل أي حتة، راجل قال هو المول ده مفيش فيه أمن؟، نينا مسكت إيد أبوها جامد ودموعها في عينيها وقالت بابا خلينا نمشي، رامون حس بالإهانة بس انحنى لمستواها وقال لا يا حبيبتي إحنا مش غلطانين، قال للبائعة هاتِ العروسة، قالت له مش هات حاجة روح شوف محل ألعاب شعبية أحسن، ساعتها مدير المحل جه وقال حصل إيه؟ جلندا قالت شحات عايز يشتري عروسة غالية، المدير قال لرامون بصوت عالي علشان الكل يسمع اطلع برا بدل ما أنادي الأمن، رامون مسك محفظته وطلع كارت أسود وحطه على الترابيزة وقال جرب الكارت، المدير ضحك وقال إنت فاكرنا أغبيا؟ بس في اللحظة دي حصل صمت غريب، الكاشير كانت شغالة على جهاز الدفع وشها اتغير، بصت للمدير وقالت الكارت شغال… ومفيش ليمت، المدير اتلخبط، وفي نفس الوقت باب المحل اتفتح ودخل راجل لابس بدلة بسيطة بس شيك، كل العاملين وقفوا فجأة، الراجل بص لرامون وابتسم وقال صباح الخير يا فندم، نينا بصت لأبوها باستغراب، المدير قال حضرتك تعرفه؟ الراجل قال ده الشريك الرئيسي في الشركة المالكة للمول، ده المهندس رامون صاحب مجموعة رامون للمقاولات اللي بانيين نص المشاريع هنا، الصدمة نزلت على المحل كله، جلندا وشها شحب، المدير اتلجلج، رامون قال بهدوء أنا فعلاً بشتغل في مواقع البناء بس ده علشان أنا بحب أكون وسط الشغل مش ورا المكاتب، وبص للبائعة وقال الفلوس مش في الهدوم ولا في الشبشب، الفلوس في الكرامة، وبعدها
انحنى لنينا وقال اختاري يا حبيبتي العروسة وكل اللي نفسك فيه، نينا ابتسمت وسط دموعها، صاحب المول قال للمدير الموظفة دي مش مكانها هنا، وبعدها رامون دفع حساب كل الألعاب اللي اختارتها بنته، وقبل ما يمشي بص للناس اللي كانت بتتفرج وقال افتكروا دايمًا إن الإنسان ما يتقاسش من شكله، وخرج ماسك إيد نينا، وهي قالت له بابا إنت أحسن بابا في الدنيا، وهو ابتسم وحس إن كل تعب السنين راح في اللحظة دي.

بعد ما رامون خرج من المحل ماسك إيد نينا، المول كله كان ساكت كإن حد كبس زرار الصوت، الناس اللي كانت بتتريق من شوية بقت تبص في الأرض، واللي كانت بتهمس بقت مش قادرة تفتح بقها، نينا كانت فرحانة بالعرايس والشنطة الصغيرة اللي اختارتها، بس جواها لسه وجع صغير، بصّت لأبوها وقالت بابا هما كانوا زعلانين منك ليه؟ رامون وقف، نزل لمستواها ومسح على شعرها وقال مش زعلانين يا حبيبتي، هما بس ما يعرفوش إن القلوب مش بتبان من الهدوم، كملوا مشي وركبوا العربية، بس القصة ما خلصتش عند كده، تاني يوم الخبر كان مالي المول، الموظفين بيتكلموا، الإدارة العليا اتدخلت، صاحب المول بنفسه طلب اجتماع طارئ، جلندا اتفصلت، والمدير اتشال من مكانه، مش بس علشان اللي حصل، لكن علشان اتكشف إن دي مش أول مرة يهين فيها ناس على أساس شكلهم، وبعدها بأيام رامون كان راجع من الشغل، لقى نينا قاعدة بتكتب في كشكول، قالها بتعملي إيه؟ قالت بكتب حكاية، قالها عن إيه؟ قالت عن بابا اللي الناس افتكرته فقير وهو أغنى واحد في الدنيا،

رامون ضحك بس عينه دمعت، افتكر أيام زمان لما كان هو نفسه طفل بسيط بيتطرد من أماكن علشان شكله، وقال في سره يمكن ربنا صبّرني علشان اليوم ده، بعد أسبوع جات دعوة رسمية باسم رامون يحضر افتتاح مشروع خيري جديد في نفس المول، مشروع لدعم الأطفال اليتامى، رامون دخل ومعاه نينا، المرة دي الكل وقف يحترم، بس هو ما غيرش لبسه، نفس التيشيرت البسيط، نفس الشبشب، علشان يثبت نقطة، طلع على المسرح وقال أنا مش هنا كرجل أعمال، أنا هنا كأب، وكمل وقال بنتي علّمتني إن الإهانة بتوجع أكتر من الفقر، وإن الكلمة ممكن تكسر طفل، وإن العدالة مش في إننا نعتذر بعد ما نغلط، العدالة إننا ما نغلطش من الأول، الناس صفقت، ونينا كانت واقفة بتبص له بفخر، وبعد الحفلة واحدة ست غنية قوي قربت من رامون وقالت له أنا كنت موجودة يوم اللي حصل، وكسفتني نفسي، بنتي سألتني ليه الناس ضحكت على الراجل ده؟ وما عرفتش أرد، رامون قالها ردّي عليها وقولي إن الإنسانية أغلى من أي حاجة، الأيام عدت، نينا كبرت شوية، وكل سنة في عيد ميلادها كانت تفتكر اليوم ده، مش علشان العروسة، لكن علشان اليوم اللي اتعلمت فيه إن أبوها ما باعش كرامته، وإن الشغل بالحلال عمره ما يقلل من حد، وفي آخر مشهد، رامون كان قاعد في موقع بناء جديد، الشمس فوق دماغه، العمال حواليه، نينا واقفة جنبه، قالته بابا لما أكبر عايزة أطلع زيك، قالها زيي إزاي؟ قالت بسيطة بس قوية، طيبة بس ما بتقبلش الإهانة، رامون ساعتها حس إن القصة فعلاً خلصت… بس الرسالة لسه مكملة.

تم نسخ الرابط