قصة منقولة عن نور محمد
أنا عندي دلوقتي خمسة وستين سنة، ومطلقة بقالي خمس سنين. في اليوم اللي طليقي خرج فيه من حياتي، حدفلي "فيزا بنك" في إيدي وقالي إن فيها حوالي 300 دولار (يعني حوالي 15 ألف جنيه). ملمستهاش ولا جيت جنبها ولا مرة. وبعد خمس سنين، لما الدنيا ضاقت بيا وقررت أسحب الفلوس، رجلي مكنتش شايلاني من الصدمة.
أنا قضيت أغلب عمري "ست بيت".
كنت متجوزة من "كمال الشاذلي" لمدة سبعة وتلاتين سنة. جوازنا مكنش مثالي، بس كان هادي.. روتين بنصحى وننام فيه، قهوة الصبح، وصبر على عيوب بعض، وراحة إننا بنعجز سوا. كنت فاكرة، ومن غير ذرة شك، إننا هنواجه أي حاجة في الدنيا وإيدنا في إيد بعض.
بس الثقة دي كلها اتهدت في محكمة الأسرة في مصر الجديدة.
الكاتبه نور محمد
الطلاق خلص في ثانية. مفيش زعيق.. مفيش دموع.. مجرد إمضاءات، وكلام رسمي، وشوية ورق بيخلص. وإحنا خارجين، كمال مد إيده في جيب الجاكيت وطلع الفيزا وحطها في كف إيدي. مكنش على وشه أي تعبير.
قالي ببرود: "فيها حوالي 300 دولار.. هيساعدوكي تمشي أمورك."
كلمته دي كانت أصعب من أي خناقة مرينا بيها. أربعين سنة من عمرنا سوا اتلخصوا في مبلغ ميكفيش اقل من شهرين وقفت مكاني مذهولة، وبصيت عليه وهو بيمشي من غير ما يبص وراه حتى. اللحظة دي فضلت محفورة في ذاكرتي أكتر من سنين جوازنا كلها.
شلت الفيزا في درج، وقررت إني مش هستخدمها أبداً.
حسيت إنها "صدقة" أو تأكيد
الكاتبه نورمحمد
مرت خمس سنين..
صحتي بدأت تقع بالتدريج. وفي يوم، جسمي منهار تماماً، ووقعت قدام باب الأوضة، ومفوقتش غير في المستشفى. الدكتور قالي إني عندي سوء تغذية حاد وهبوط، ومحتاجة رعاية فورية. ولأول مرة، غريزة البقاء غلبت كبريائي.
الصدمة في البنك
تاني يوم الصبح، رحت البنك. إيدي كانت بتترعش وأنا بدي الموظفة الفيزا.
قلت لها بصوت واطي: "لو سمحتي، عايزة أسحب الرصيد كله."
الموظفة فضلت تبص في الشاشة كتير، أكتر مما كنت متوقعة. وبعدين رفعت عينها وبصت لي باستغراب.
قالت لي بهدوء: "يا مدام، الرصيد اللي هنا مش 300 دولار خالص."
قلبي انقبض وقلت أكيد مفيهاش فلوس أصلاً.. لفت لي الشاشة ناحيتي.
الأرقام زغللت عيني.. مكنتش شايفة من الصدمة.
987,000 دولار! (يعني داخلة على 50 مليون جنيه!)
ركبي سابت ومقدرتش أقف. في اللحظة دي، كل اللي كنت مصدقاه في الخمس سنين اللي فاتوا عن جوازي، وقيمتي، وماضيّ.. كله انهار.
خرجت من البنك وأنا تايهة، مش حاسة بالعربيات ولا
كمال الشاذلي.
منمتش ليلتها. قعدت أفتكر آخر سنة في جوازنا.. الليالي اللي كان بيسهر فيها لوحده، الحزن اللي كان في عينه وكنت فاكراه بُعد أو زهق مني، المكالمات اللي كان بيخبيها. الصور بدأت تتركب في دماغي وبقت واضحة وموجعة. الصبح، قررت إني لازم ألاقي إجابات.
ركبت القطر وسافرت بلد في الأرياف في "الغربية" عشان أقابل "هدى"، أخت كمال الكبيرة. كانت عايشة لوحدها في بيت قديم وهادي. أول ما فتحت الباب وشافتني، عينيها اتملت دموع.
قالت لي بحنان: "كنت عارفة إنك هتيجي يا حبيبتي."
سألتها بلهفة: "فين كمال؟ أنا لازم أتكلم معاه."
سكوتها كان هو الرد. دخلت جوه وجابت صندوق خشب صغير.
قالت لي بصوت مكسور:
ياترى قالت لها ايه والصندوق هيطلع فيه ايه؟!
دخلت الصندوق بإيديها المرتعشة…
خشبه كان متآكل من الأطراف، كأنه شايل سنين كتمان أكتر ما شايل حاجات.
فتحته.
أول حاجة ظهرت كانت تقارير طبية…
تحاليل، أشعات، توقيع دكاترة كبار، وتاريخ راجع لسنة قبل الطلاق بسنة كاملة.
قريت العنوان، وحسيت قلبي بيقع: سرطان البنكرياس – مرحلة متقدمة.
صرخت من غير صوت.
بصّيت لهدى، وهي هزّت راسها بحزن.
قالت: «كمال عرف يوم ما عرف… إن عمره قصير. الدكتور قال له يمكن سنة، يمكن أقل.»
مسكت الورق، ودموعي نازلة على
مش خيانة.
كل المكالمات اللي كان بيخبيها…
مش ست تانية.
كان بيكلم بنوك، ومحامين، وشركات تأمين.
هدى كملت: «قال لي: مش عايزها تشوفني ضعيف… ولا مكسور… ولا مستني موتي.
قال: سيبيها تفتكر إني أناني… أهون من إنها تشوفني بموت قدامها.»
طلعت من الصندوق ظرف أبيض، مكتوب عليه اسمي بخط إيده.
فتحته.
"لو بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مش موجود.
أنا آسف إني جرحتك، بس كنت مضطر.
أنا عمري ما اعتبرتك ست بيت…
إنتِ عمري كله.
الفلوس دي مش تعويض… دي أمان.
أنا خوفت تمشي من غيري وتتعبي،
فحبيت أمشي قبلك بس وأنا مطمن."
إمضاؤه في آخر السطر كان مهزوز…
زي واحد بيكتب ووجعه سابقه.
قعدت على الأرض، وبكيت زي ما عمري ما بكيت.
مش على الطلاق…
ولا على السنين اللي ضاعت…
بكيت على راجل حبني لدرجة إنه رضي يطلع أناني في عيني،
ولا يخليني أرملة مكسورة.
هدى قالت بهدوء: «مات بعد الطلاق بتلات شهور.
كان بيحوّل الفلوس كل شهر بنفسه…
وقال لي: حتى وهي فاكراني قاسي، أنا راضي.»
رجعت أوضتي بعدها بأيام.
فتحت الدرج…
الدرج اللي كنت شايفة فيه إهانة.
دلوقتي؟
بقيت شايفة فيه حب صامت.
صرفـت من الفلوس…
مش لأن كبريائي مات،
لكن لأن كمال كان عايزني أعيش.
وأول حاجة عملتها؟
روحت المقابر، قعدت قدام اسمه، وقلت له: «سامحتك…
بس كان لازم أوجع شوية عشان أعرف إنك حبيت بجد.»
الحياة علمتني متأخر إن
مش كل
بعضهم بس اختار يحب من بعيد…
ويختفي علشان نحمل الوجع،
مش هم.