قسوة زوج

لمحة نيوز

أنا اسمي إيمان، واتجوزت حسام وأنا عندي أربعة وعشرين سنة، كنت شايفة الدنيا بعين واحدة بس، عين الست اللي مصدقة إن الجواز شركة، وإن اللي يتبني مع بعض عمره ما يضيع. حسام كان شاطر في شغله، طموح، بس عنده حتة برود كده، حتة أنانية مخبية تحت وش شيك وكلام موزون. في الأول كنت بقول أصل ضغط شغل، أصل مسؤوليات، أصل الرجالة كده… لحد ما السنين عدت وبقى البرود أسلوب حياة، وبقيت أنا اللي بشيل البيت، وبفكر، وبحسب، وبخطط، وهو “راجل البيت” بالاسم وبس. لما خلفنا يوسف حسيت إن قلبي اتفتح على معنى جديد، بس حسام؟ لأ، كان بيشوفه عبء زيادة، حاجة بتعطله، دايمًا يقول “الولد لسه صغير مش فاهم حاجة”، وكنت ساكتة عشان ما أعملش مشاكل.
أكتر حاجة كان بيحبها حسام؟ الفلوس والإحساس بالقوة. الفيلا، العربيات، منظر النجاح. وأنا؟ كنت بحب الأمان، إني أعرف إن بكرة مش هيهدّني. عشان كده، من غير ما يعرف، بدأت أتعلم. دخلت كورسات أونلاين، استثمرت فلوس بسيطة من ميراث أمي، اشتغلت من البيت، دخلت شراكات باسمي أنا، كل ده وهو فاكرني “ست بيت فاضية”. كنت بوقع على ورق من غير ما يقرأ، “اعملي اللي إنتِ عايزاه يا إيمان، إنتِ فاهمة في الحاجات دي”، عمره ما خطر في باله إن الفهم ده ممكن يقلب ضده.
لما قالي عايز نطلق، كان القرار طالع منه ببرود يخوف. لا خناقة، لا دموع، لا حتى اعتراف بتقصير. قالها كأنه بيطلب قهوة: أنا عايز الفيلا، العربيات، كل حاجة، ما عدا الولد. اللحظة دي فهمت إن الراجل ده عمره ما شافنا بني آدمين، لا أنا ولا ابنه. ساعتها حاجة جوايا قفلت،

مش اتكسرت، لأ، قفلت على هدوء مخيف. قلت له ماشي.
الناس افتكرتني ضعيفة، المحامية بتاعتي افتكرتني ضحية، وهو افتكرني غبية. محدش كان شايف الصورة كلها غيري. لأن الحقيقة اللي حسام ما كانش يعرفها، إن الفيلا باسمه آه، بس متشالة برهن لصالح شركتي أنا، الشركة اللي باسمي، واللي قيمتها في السنة الأخيرة بقت أضعاف الفيلا والعربيات مجتمعين. والعربيات؟ متأجرة بنظام تشغيلي باسم شركته، والشركة نفسها؟ نص أسهمها اتحولت باسمي من خمس سنين، بتوقيع منه، يوم ما قال لي “وقعي وخلاص، ده إجراء روتيني”.
وفي الاتفاق، سبت له كل حاجة باينة، كل حاجة تتشاف وتتلمس. وهو ساب لي كل حاجة مش شايفها، بس هي الأهم. نفقة يوسف اللي كان فاكرها مبلغ عبيط؟ كانت مربوطة بنسبة من دخله، مش رقم ثابت. والملحق الصغير اللي اتحط في الآخر؟ بند قانوني بيقول إن في حالة عجزه عن السداد أو إفلاسه، تنتقل إدارة كل الأصول المتعلقة بالشركة للحاضن الشرعي للطفل… وأنا كنت الحاضن.
لما المحامية بتاعته همست له، كانت بتقوله إن الرهن اتفعل، وإن الشركة اللي الفيلا مرهونة لصالحها تبين إنها مملوكة ليّ، وإن أي محاولة تهرب من النفقة هتخليه يخسر كل حاجة رسميًا. وشه شحب، إيده رعشت، وبص لي لأول مرة بجد، مش بصّة انتصار، بصّة واحد فهم إنه اتلعب عليه لعب نضيف.
أنا ما خدتش انتقام، أنا خدت حقي بهدوء. خرجت من القاعة مرفوعة الرأس، ماسكة إيد يوسف، وهو ماسك شنطته الصغيرة ومش فاهم كل اللي حصل، بس حاسس بالأمان. حسام فضل واقف، الفيلا والعربيات باسمه، بس من غير سلطة، من غير سيطرة،
من غير حد يحترمه بجد.
اتعلمت إن القوة مش في الصوت العالي ولا في الخناقة، القوة في إنك تسيب اللي قدامك يفتكر إنه كسب… لحد ما يكتشف إنك كنت بتلعبي على مستوى أعلى بكتير

بعد الجلسة، خرجت أنا ويوسف من المحكمة، الشمس كانت حامية بس أول مرة أحس بدفاها مش بوجع. يوسف كان ماسك إيدي بإحكام، وبص لي وقال: “ماما… هو بابا زعلان؟” السؤال ده خبطني في قلبي، لأن مهما كان حسام، ده أبوه. نزلت لمستواه وقلت له: “بابا محتار شوية، بس إحنا بخير”. ماكذبتش، وماقلتلوش الحقيقة كاملة، لأن في سنه الحقيقة ساعات بتوجع أكتر ما تنفع.
حسام ما حاولش يكلمني أول أسبوع. كان فاكر إني هاجي أترجاه، أو أطلب مساعدة، أو حتى أفرح عليه. بس اللي حصل إن أول تحويل نفقة اتأخر. يوم، واتنين، وأسبوع. محاميته كلمتني بنبرة متوترة وقالت: “الأستاذ حسام بيمر بظروف مؤقتة”. ضحكت، ضحكة هادية، وقلت: “القانون مش بيعترف بالظروف، بيعترف بالأرقام”. بعدها بيومين، أول إنذار رسمي وصل له.
اللي محدش كان يعرفه إن حسام عمره ما كان بيدير فلوسه بنفسه. أنا اللي كنت الدماغ، وهو كان الواجهة. فلما خرجت من حياته، خرجت الإدارة، التخطيط، العلاقات. الصفقات بدأت تقع واحدة ورا التانية. الناس اللي كانت بتجري وراه، بطلت ترد. لأن القوة اللي كانوا شايفينها فيه، كانت جاية من استقرار بيت، ومن ست كانت واقفة في ضهره من غير ما تتكلم.
يوسف بدأ يلاحظ التغيير. بقى أهدى، مذاكرته اتحسنت، نومه بقى أعمق. لأول مرة بقى يحكيلي عن يومه من غير خوف إن باباه يزعق. كنت بحضنه كل ليلة وأفتكر

قد إيه كنت مستعدة أضحي بأي حاجة عشان اللحظة دي.
بعد شهرين، حسام طلب يشوف يوسف. جه متأخر، هدومه مش مكوية زي الأول، وعينيه فيها كسر. حاول يتكلم معايا عن “الذكريات” و”العِشرة”، بس أنا وقفته بهدوء وقلت: “خلّيك مع ابنك، ده الأهم”. وهو مع يوسف، شوفته بيحاول يبقى أب… بس متأخر. الطفل حسّ، والبراءة ساعات بتكون قاسية من غير قصد.
بعد الزيارة، حسام وقف على الباب وقال: “إيمان… إنتِ عمرك ما حبيتيني”. بصّيت له وقلت: “لا، أنا حبيتك لدرجة إني صدّقتك”. وسكرت الباب.
الضربة الأخيرة ماكنتش مني. كانت منه لنفسه. حاول يتهرب من التزاماته، فاتفعل البند. إدارة الأصول اتحولت رسميًا، والبنوك سحبت الثقة، والفيلا اللي كان فاكرها مملكته، بقت عبء. باع عربية، وبعدين التانية. المكان اللي كان رمز انتصاره، اتحول شاهد على سقوطه.
وأنا؟ ما احتفلتش. كنت ببني. كبرت شغلي، وسّعت استثماراتي، وحطيت كل حاجة باسم يوسف قبل ما تكون باسمي. علّمته إن الرجولة مسؤولية، مش سيطرة، وإن الست مش ضعف، وإن اللي يستهين بغيره بيخسر نفسه قبل أي حاجة.
بعد سنة، قابلت حسام صدفة في سوبر ماركت. كان واقف في طابور عادي، مفيش حد حواليه. بص لي، ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال: “طلعتي أذكى مني”. قلت له: “لا… إنت اللي كنت شايف بعين واحدة”.
مشيت، وأنا حاسة إن القصة دي ماكانتش عن طلاق، ولا فلوس، ولا انتقام. كانت عن ست قررت تبقى واعية، وأم قررت تحمي ابنها، وإن أوقات كتير… أكبر خسارة مش إنك تسيب كل حاجة، أكبر خسارة إنك تفتكر إن اللي قدامك ولا حاجة، وهو في الحقيقة
كان كل اللعبة.

تم نسخ الرابط