لم اتوقع ان يكون زوجي بهذه القسوة

لمحة نيوز

أنا حامل في الشهر التامن، والليلة دي كان المفروض تبقى عادية جدًا، ليلة هادية زي أي ليلة قبل النوم، بس هي طلعت الليلة اللي غيرت حياتي كلها من غير ما أعرف، كنت واقفة في مطبخنا الصغير، مطبخ ضيق بس كنت دايمًا بحاول أخلّيه دافي، ريحة الشوربة مالية المكان، رجليّ كانوا منفخين ومش قادره أقف أكتر من كده، ضهري كان واجعني، وبطني تقيلة عليّ بس كنت مستحملة، مستحملة زي ما اتعودت أستحمل كل حاجة، كنت بعدّ الدقايق عشان أخلص وأقعد شوية، مارك كان قاعد على الكنبة، ماسك الموبايل، ساكت بس وشه مكشّر، وده لوحده كان كفيل يخليني متوترة، لأنه دايمًا بيبقى عصبي من غير سبب، أخد طبق الشوربة، دوّق معلقة واحدة، سكت ثانية، وبعدين فجأة خبط الطبق على الترابيزة خَبطة خوفتني، وبصلي باحتقار وقال إنتي حتى نسيتي تحطي ملح؟ هو إنتي فاشلة في كل حاجة؟ اتلخبطت، حسّيت قلبي وقع في رجلي، قلتله بهدوء يمكن نسيت، آسفة، هظبطها حالًا، والله ما كنت لسه مكمّلة كلامي، غير وهو قام فجأة، الكرسي وراه صرّ، ولحظة واحدة بس كانت كفاية، إيده نزلت على وشي بالقلم، الصوت كان عالي، دماغي لفت، قبل ما أفهم إيه اللي حصل، حسّيت بحرارة نار بتسكب على راسي، شال الطبق وكبّ الشوربة السخنة عليّ، على شعري، على رقبتي، على صدري وبطني، وهو بيصرخ مالكِش أي لازمة، لا أكل ولا تربية، هتبقي أم إزاي وإنتي كده، حضنت بطني غصب عني، الرعب

كان أكبر من الوجع، جلدي كان بيولع، بس اللي وجع أكتر إن عينيه كانت هادية بعد ما خلّص، كأنه عمل حاجة عادية، كأنه بيوبخ طفل مش بيكسر إنسانة حامل، ساعتها لأول مرة ما عيطتش، ما صرختش، ما اعتذرتش، حسّيت بحاجة جوايا بتبرد، حاجة بتقفل، سبت المطبخ ومشيت على الحمام في صمت، قفلت الباب، وقفت قدام المراية، وشي محمّر، شعري لازق من الشوربة، عينيّ مش نفس العيون اللي دخلت المطبخ من شوية، حطيت إيدي على بطني، حسّيت بحركة خفيفة، كأنه ابني بيطمني أو بيصحيني، وابتديت أفتكر، أول مرة زعقلي وقاللي إنتي غبية، أول مرة شدني من دراعي، أول مرة قاللي محدش هيستحملك غيري، كل مرة كنت أبرر، أقول ضغط شغل، توتر، أعصاب، حمل، بس الحقيقة اللي ضربتني في اللحظة دي كانت واضحة زي الشمس، ده مش غضب، ده مش زعل، ده مش يوم وحش، ده أنا لو فضلت هنا، ابني هيكبر وهو شايف أمه بتتهان، وهيفتكر إن ده طبيعي، ومن ورا الباب سمعته بيزعقلي نضّفي نفسك ومتعمليش غلطة تاني، ساعتها الخوف اتحوّل لغضب هادي، لغضب نظيف، خرجت من الحمام، دخلت أوضة النوم، وهو فاكر إني هنام، فتحت الدولاب بهدوء، لمّيت شوية هدوم، كارت التأمين، بطاقتي، الفلوس اللي كنت مخبياهم من مصروفي، كل حركة كنت بعملها وأنا قلبي ثابت بشكل غريب، كأني خلاص خدت القرار، استنيت لما نام، سمعته بيشخر، لبست بهدوء، فتحت الباب، نزلت السلم خطوة خطوة، الشارع كان فاضي
والليل ساكت، ركبت تاكسي، قلت للسواق على عنوان أختي، أول ما وصلت، أول ما شافتني بالشكل ده، ما سألتش، حضنتني بس، وهناك عيطت لأول مرة، مش عياط ضعف، عياط خروج، بعدها بيوم رحت المستشفى أطمنت على ابني، بعدها بيومين بلغت أهلي، بعدها بأسبوع كنت رافعة قضية، مارك حاول يتأسف، حاول يهدد، حاول يلعب دور الضحية، بس المرة دي ما كنتش لوحدي، كنت أم، ودي كانت القوة اللي عمره ما حسب حسابها، عدّت الشهور، ولدت ابني، وأنا ماسكاه بين إيديا فهمت إن الليلة دي، ليلة الشوربة، ما كانتش الليلة اللي اتهنت فيها، كانت الليلة اللي اتولدت فيها من جديد، واخترت نهاية مختلفة، نهاية أنا اللي كتبتها بإيدي.
بعد ما ولدت ابني، افتكرت إن أصعب حاجة عدّت، بس الحقيقة إن البداية كانت لسه، كنت بصحى بالليل على صوته وهو بيعيط وأفتكر صوت مارك وهو بيزعق، جسمي يفزع، قلبي يدق بسرعة، وبعدين أبص على وش ابني وهو نايم على صدري وأفهم إن الخوف ده مش ضعف، ده حراسة، أختي كانت جنبي، أمي كانت بتيجي كل يوم، بس أكتر حاجة كانت بتوجعني مش التعب ولا السهر، كانت الأسئلة اللي بتلف في دماغي، إزاي سكت كل ده؟ إزاي قبلت؟ إزاي ما مشيتش من أول قلم؟ بس مع كل سؤال كنت أرجع أفكر إن الخوف بيتسلل واحدة واحدة، ما بييجيش فجأة، وإنه كان دايمًا بيخليني أشك في نفسي لحد ما صدقته، مارك ما سكتش، حاول يرجع، بعت رسايل طويلة عن الندم، وبعدين
رسايل أقصر مليانة لوم، وبعدين تهديدات، مرة يقولي هياخد ابني، مرة يقولي هيفضحني، وكل مرة كنت بحس رجلي بترتعش بس أكمّل، أروح المحكمة، أمضي ورق، أسمع كلام المحامي، وأرجع أبص لابني وأفتكر الشوربة وهي بتسخن على جلدي وأقول لنفسي لأ، أنا مش هرجع، في جلسة من الجلسات شوفته واقف قدامي، نفس النظرة، بس الفرق إن المرة دي أنا مش لوحدي، واللي جوايا مش مكسور، القاضي سمع، والمحامي اتكلم، وأنا لأول مرة حكيت كل حاجة بصوت عالي من غير ما أرتجف، حسّيت كأني بطلع شوكة كانت مغروزة في حلقي بقالها سنين، لما خرجت من المحكمة، الشمس كانت في وشي، حسّيت بدفا مش حرق، دفا أمان، الأيام عدّت، تعبت، اشتغلت، رجعت أقف على رجلي واحدة واحدة، ساعات كنت أقعد على الأرض من الإرهاق وأعيط، بس كل مرة كنت أقوم، مش عشان قوية بطبعي، عشان ابني محتاج يشوف أمه واقفة، محتاج يشوفها بتختار نفسها، وبعد سنة، سنة كاملة من أول ليلة، كنت واقفة في مطبخ تاني، مطبخ صغير برضه بس هادي، بحضّر شوربة، نفس الشوربة، حطّيت الملح، ضحكت على نفسي، وبصّيت لابني وهو بيحبو على الأرض، وفهمت إن القصة دي ما كانتش عن ملح ناقص، كانت عن كرامة، عن خوف، عن ست اكتشفت إن النجاة مش هروب، النجاة قرار، وإن في لحظة واحدة، وسط وجع وحرق، ممكن تختاري تعيشي، مش بس تعيشي، لكن تبدأي حكاية جديدة من غير صراخ، من غير إيد مرفوعة، حكاية نهايتها أمان.

تم نسخ الرابط